فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 443

ولهذا جعل سمع الكفار بمنزلة سمع البهائم لأصوات الرعاة، أي: يسمعون مجرد الأصوات سمع الحيوان، لا يسمعون ما فيها ـ من تإلىف الحروف المتضمنة للمعاني ـ السمع الذي لابد أن يكون بالقلب مع الجسم، فقال تعإلى: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ } ، يقول: هم يستجيبونّ { لِقَوْمٍ آخَرِينَ } ، وأولئك { لَمْ يَأْتُوكَ } ، وأولئك { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } يقولون لهؤلاء الذين أتوك: { إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ } ، كما ذكروا في سبب نزول /الآية: أنهم قالوا في حد الزنا، وفي القتل: اذهبوا إلى هذا النبي الأمي، فإن حكم لكم بما تريدونه، فاقبلوه، وإن حكم بغيره، فأنتم قد تركتم حكم التوراة أفلا تتركون حكمه ؟ !

فهذا هو استماع المتحاكمين من أولئك الذين لم يأتوه ولو كانوا بمنزلة الجاسوس، لم يخص ذلك بالسماع، بل يرون ويسمعون، وإن كانوا قد ينقلون إلى شياطينهم ما رأوه وسمعوه ، لكن هذا من توابع كونهم يستجيبون لهم ويوالونهم .

يبين ذلك أنه قال: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } [ التوبة: 47 ] أي: لأسرعوا بينكم يطلبون الفتنة بينكم، ثم قال: وفيكم مستجيبون لهم إذا أوضعوا خلالكم؛ ولو كان المعني: وفيكم من تجسس لهم، لم يكن مناسبا، وإنما المقصود أنهم إذا أوضعوا بينكم يطلبون الفتنة، وفيكم من يسمع منهم، حصل الشر . وأما الجس، فلم يكونوا يحتاجون إليه، فإنهم بين المؤمنين، وهم يوضعون خلالهم .

مما يبين ذلك أنه قال: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } [ المائدة: 42 ] ، فذكر ما يدخل في آذانهم وقلوبهم من الكلام، وما يدخل في أفواههم وبطونهم من الطعام: غذاء الجسوم، وغذاء القلوب، فإنهما غذاءان /خبيثان: الكذب والسحت . وهكذا من يأكل السحت من البرطيل ونحوه، يسمع الكذب، كشهادة الزور؛ ولهذا قال: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [ المائدة: 63 ] .

فلما كان هؤلاء يستجيبون لغير الرسول، كما يستجيبون له إذا وافق آراءهم وأهواءهم، لم يجب عليه الحكم بينهم، فإنهم متخيرون بين القبول منه، والقبول ممن يخالفه، فكان هو متخيرا في الحكم بينهم، والإعراض عنهم . وإنما يجب عليه الحكم بين من لابد له منه من المؤمنين .

وإذا ظهر المعني، تبين فصل الخطاب في وجوب الحكم بين المعاهدين من أهل الحرب كالمستأمن، والمهادن، والذمي، فإن فيه نزاعا مشهورًا بين العلماء . قيل: ليس بواجب للتخير . وقيل: بل هو واجب، والتخيير منسوخ بقوله: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ } [ المائدة: 49 ] . قال الأولون: أما الأمر هنا: أن يحكم بما أنزل اللّه إذا حكم، فهو أمر بصفة الحكم، لا بأصله، كقوله: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } [ المائدة: 42 ] ، وقوله: { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } [ النساء: 58 ] ، وهذا أصوب، فإن النسخ لا يكون بمحتمل، فكيف بمرجوح ؟ وقيل: يجب في مظالم العباد دون غيرها . والخلاف في ذلك مشهور في / مذهب الإمام أحمد، وغيره من الأئمة .

وحقيقة الآية: إن كان مستجيبا لقوم آخرين، لم يأتوه، لم يجب عليه الحكم بينهم، كالمعاهد: من المستأمن وغيره، الذي يرجع إلى أمرائه وعلمائه في دارهم، وكالذمي الذي إن حكم له بما يوافق غرضه وإلا رجع إلى أكابرهم وعلمائهم، فيكون متخيرًا بين الطاعة لحكم اللّه ورسوله، وبين الإعراض عنه . وأما من لم يكن إلا مطيعًا لحكم اللّه ورسوله، ليس عنه مندوحة، كالمظلوم الذي يطلب نصره من ظالمه، وليس له من ينصره من أهل دينه، فهذا ليس في الآية تخيير . وإذا كان عقد الذمة قد أوجب نصره من أهل الحرب، فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولي أن يوجب ذلك .

وكذلك لو كان المتحاكم إلى الحاكم والعالم من المنافقين الذين يتخيرون بين القبول من الكتاب والسنة،وبين ترك ذلك، لم يجب عليه الحكم بينهم . وهذا من حجة كثير من السلف الذين كانوا لا يحدثون المعلنين بالبدع بأحاديث النبي صلي الله عليه وسلم .

ومن هذا الباب: من لا يكون قصده في استفتائه وحكومته الحق، بل غرضه من يوافقه على هواه، كائنا من كان، سواء كان صحيحًا أو باطلا . فهذا سماع لغير ما بعث اللّه به رسوله، فإن اللّه إنما بعث رسوله /بالهدي ودين الحق، فليس على خلفاء رسول اللّه أن يفتوه ويحكموا له، كما ليس عليهم أن يحكموا بين المنافقين والكافرين المستجيبين لقوم آخرين، لم يستجيبوا للّه ورسوله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت