ومن جنس موالاة الكفار التي ذم اللّه بها أهل الكتاب والمنافقين: الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب اللّه، كما قال تعإلى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَي مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا } [ النساء: 51 ] . وقد عرف أن سبب نزولها شأن كعب بن الأشرف ـ أحد رؤساء إليهود ـ لما ذهب إلى المشركين، ورجح دينهم على دين محمد وأصحابه . والقصة قد ذكرناها في [ الصارم المسلول ] لما ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لكعب بن الأشرف ؟ فإنه قد آذي اللّه ورسوله ) .
ونظير هذه الآية قوله ـ تعإلى ـ عن بعض أهل الكتاب: { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمَانَ } الآية [ البقرة: 101، 102 ] . فأخبر أنهم اتبعوا السحر وتركوا كتاب اللّه، كما يفعله كثير من إليهود، وبعض المنتسبين إلى الإسلام من اتباعهم كتب السحرة ـ أعداء إبراهيم وموسى ـ من المتفلسفة ونحوهم ،/وهو كإيمانهم بالجبت والطاغوت، فإن الطاغوت هو: الطاغي من الأعيان، والجبت: هو من الأعمال والأقوال، كما قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( العيافة والطيرة، والطرق من الجبت ) . رواه أبو داود .
وكذلك ما أخبر عن أهل الكتاب بقوله: { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عليه وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } [ المائدة: 60 ] أي: ومن عبد الطاغوت ، فإن أهل الكتاب كان منهم من أشرك، وعبد الطواغيت .
فهنا ذكر عبادتهم للطاغوت، وفي [ البقرة ] ذكر اتباعهم للسحر، وذكر في [ النساء ] إيمانهم بهما جميعا بالجبت والطاغوت .
وأما التحاكم إلى غير كتاب اللّه، فقد قال: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إلىكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا } [ النساء: 60، 61 ] .
والطاغوت: فعلوت من الطغيان . كما أن الملكوت: فعلوت من الملك . والرحموت، والرهبوت، والرغبوت: فعلوت من الرحمة،/والرهبة، والرغبة . والطغيان: مجاوزة الحد، وهو الظلم والبغي . فالمعبود من دون اللّه إذا لم يكن كارها لذلك: طاغوت؛ ولهذا سمي النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال: ( ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت ) . والمطاع في معصية اللّه، والمطاع في اتباع غير الهدي ودين الحق ـ سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب اللّه، أو مطاعا أمره المخالف لأمر اللّه ـ هو طاغوت؛ ولهذا سمي من تحوكم إليه، من حاكم بغير كتاب اللّه طاغوت، وسمي اللّه فرعون وعادا طغاة وقال في صيحة ثمود: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } [ الحاقة: 5 ] .
فمن كان من هذه الأمة موإلىًا للكفار من المشركين أو أهل الكتاب، ببعض أنواع الموالاة، ونحوها: مثل إتيانه أهل الباطل، واتباعهم في شيء من مقالهم، وفعالهم الباطل، كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك، وذلك مثل متابعتهم في آرائهم وأعمالهم، كنحو أقوال الصابئة وأفعالهم، من الفلاسفة ونحوهم، المخالفة للكتاب والسنة، ونحو أقوال إليهود، والنصاري، وأفعالهم المخالفة للكتاب والسنة، ونحو أقوال المجوس والمشركين وأفعالهم المخالفة للكتاب والسنة .
ومن تولي أمواتهم، أو أحياءهم، بالمحبة والتعظيم والموافقة، فهو منهم كالذين وافقوا أعداء إبراهيم الخليل: من الكِلدانيين وغيرهم /من المشركين، عباد الكواكب أهل السحر، والذين وافقوا أعداء موسى، من فرعون وقومه بالسحر . أو ادعي أنه ليس ثم صانع غير الصنعة، ولا خالق غير المخلوق، ولا فوق السموات إله، كما يقوله الاتحادية، وغيرهم من الجهمية . والذين وافقوا الصابئة والفلاسفة فيما كانوا يقولونه في الخالق، ورسله: في أسمائه وصفاته ، والمعاد، وغير ذلك .
ولا ريب أن هذه الطوائف، وإن كان كفرها ظاهرًا، فإن كثيرا من الداخلين في الإسلام، حتى من المشهورين بالعلم، والعبادة، والإمارة، قد دخل في كثير من كفرهم، وعظمهم، ويري تحكيم ما قرروه من القواعد ونحو ذلك . وهؤلاء كثروا في المستأخرين، ولبسوا الحق الذي جاءت به الرسل بالباطل الذي كان عليه أعداؤهم .
واللّه ـ تعإلى ـ يحب تمييز الخبيث من الطيب، والحق من الباطل، فيعرف أن هؤلاء الأصناف منافقون، أو فيهم نفاق ، وإن كانوا مع المسلمين، فإن كون الرجل مسلما في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقًا في الباطن، فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر، والقرآن قد بين صفاتهم وأحكامهم . وإذا كانوا موجودين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وفي عزة الإسلام، مع ظهور أعلام النبوة، ونور الرسالة، فهم مع بعدهم عنهما أشد وجودا، لاسيما وسبب النفاق هو سبب الكفر، وهو المعارض لما جاءت به الرسل .