فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 443

قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكره بالآيات التي تلوناها عند ذكر تسمية اللّه الصلاة وسائر الطاعات إيمانًا، واستدلوا ـ أيضًا ـ بما قص اللّه من إباء إبليس حين عصى ربه في سجدة واحدة أمر أن يسجدها لآدم فأباها . فهل جحد إبليس ربه وهو يقول: { رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } [ الحجر: 39 ] ويقول: { رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ الحجر: 36 ] إيمانًا منه بالبعث،وإيمانًا بنفاذ قدرته في إنظاره إياه إلى يوم يبعثون ؟ وهل جحد أحدًا من أنبيائه أو أنكر شيئًا من سلطانه وهو يحلف بعزته ؟ وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة أمر بها فأباها ؟ قال: واستدلوا ـ أيضًا ـ بما قص اللّه علينا من نبأ ابني آدم { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ } إلى قوله: { فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ المائدة: 27: 30 ] ، قالوا: وهل جحد ربه ؟ وكيف يجحده وهو يقرب القربان ؟ . قالوا: قال اللّه تعالى: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } [ السجدة: 15 ] ، ولم يقل: إذا ذكروا بها أقروا بها فقط، وقال: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } [ البقرة: 121 ] يعني: يتبعونه حق اتباعه ؟

/فإن قيل: فهل مع ما ذكرت من سنة ثابتة، تبين أن العمل داخل في الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله ؟ قيل: نعم، عامة السنن والآثار تنطق بذلك، منها حديث وفد عبد القيس، وذكر حديث شعبة وقرَّة بن خالد عن أبي جَمْرَة عن ابن عباس، كما تقدم، ولفظه: ( آمركم بالإيمان باللّه وحده ) ، ثم قال: ( هل تدرون ما الإيمان باللّه وحده ؟ ) ، قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: ( شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا خمس ما غنمتم ) . وذكر أحاديث كثيرة توجب دخول الأعمال في الإيمان مثل قوله في حديث . . . لما سئل صلى الله عليه وسلم . . . .

ثم قال أبو عبد اللّه محمد بن نصر: اختلف أصحابنا في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) . فقالت طائفة منهم: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه من الإسلام، ولا يزيل عنه اسمه، وفرقوا بين الإيمان والإسلام، وقالوا: إذا زنى فليس بمؤمن وهو مسلم، واحتجوا لتفريقهم بين الإسلام والإيمان بقوله: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا } الآية [ الحجرات: 14 ] فقالوا: الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل مع التوحيد، والإسلام عام يثبت الاسم بالتوحيد والخروج من ملل الكفر واحتجوا بحديث سعد بن أبي وقاص، وذكره عن سعد أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أعطى رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا فقلت: يا رسول اللّه، أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانا وهو مؤمن . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ( أو مسلم ) أعادها ثلاثًا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أو مسلم ) ، ثم قال: / ( إني لأعطي رجالًا وأمنع آخرين وهم أحب إلى منهم، مخافة أن يُكَبُّوا على وجوههم في النار ) قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل .

قال محمد بن نصر: واحتجوا بإنكار عبد اللّه بن مسعود على من شهد لنفسه بالإيمان فقال: أنا مؤمن، من غير استثناء، وكذلك أصحابه من بعده، وجُلّ علماء الكوفة على ذلك . واحتجوا بحديث أبي هريرة: ( يخرج منه الإيمان، فإن رجع رجع إليه ) ، وبما أشبه ذلك من الأخبار، وبما روي عن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما كانا يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن، واحتجوا بقول أبي جعفر الذي حدثناه إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، عن فضيل بن بشار، عن أبي جعفر محمد ابن علي؛ أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ، فقال أبو جعفر: هذا الإسلام ودور دارة واسعة،وهذا الإيمان ودور دارة صغيرة في وسط الكبيرة، فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر باللّه، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص ) ، حدثنا بذلك يحيى بن يحيى، حدثنا ابن لهيعة، عن شريح بن هانئ،عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: ( أسلم الناس،وآمن عمرو بن العاص ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت