وذكر عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الإيمان والإسلام، فجعل/ الإيمان خاصًا والإسلام عامًا، قال: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما يثبت ذلك من النظر، وذلك أن اللّّه جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة،أوجب عليه الجنة،فقال: { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا } [ الأحزاب: 43، 44 ] ،وقال: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } [ الأحزاب: 47 ] ،وقال: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } [ يونس: 2 ] ،وقال: { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم } [ الحديد: 12 ] وقال: { اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ } [ البقرة: 257 ] وقال: { وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } [ المائدة: 9 ] .
قال: ثم أوجب اللّه النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان زائل عمن أتى كبيرة . قالوا: ولم نجده أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه .
فإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر، قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان، لأن للإيمان أصلًا وفروعًا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر، فإن قيل لهم: فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان،هل فيهم من الإيمان شيء ؟ قالوا: نعم أصله ثابت،ولولا ذلك لكفروا، ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن ثم قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه صدق، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذا كان يعلم أنه مقصر،/ لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدى ما وجب عليه وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التي هي الكبائر .
قالوا: فلما أبان اللّه أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة، وأن اللّه قد أوجب الجنة عليه، وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا؛ لأنه لا يخرج من التصديق إلا بالتكذيب، ولسنا بشاكين ولا مكذبين، وعلمنا أنا عاصون له مستوجبون للعذاب وهو ضد الثواب الذي حكم اللّه به للمؤمنين على اسم الإيمان ـ علمنا أنا قد آمنا وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت اللّه عليه الحكم في الجنة وهو من اللّه اسم ثناء وتزكية، وقد نهانا اللّه أن نزكي أنفسنا، وأمرنا بالخوف على أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياننا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين؛ إذ أوجب اللّه على اسم الإيمان الثناء والتزكية والرأفة والرحمة والمغفرة والجنة، وأوجب على الكبائر النار، وهذان حكمان متضادان .
فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به،وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان في قلوبكم وهو التصديق بأن اللّه حق، وما قاله صدق ؟ قالوا: إن اللّه ورسوله وجماهير المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء،فسموا الزاني فاسقًا، والقاذف فاسقًا وشارب الخمر فاسقًا،ولم يسموا واحدًا من هؤلاء متقيًا ولا ورعًا،وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى والورع،وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك باللّه شيئا، وكذلك يتقي اللّه أن يترك الغسل من الجنابة أوالصلاة،ويتقي أن يأتي أمه،فهو في جميع ذلك متق،وقد أجمع/المسلمون من الموافقين والمخالفين أنهم لا يسمونه متقيًا ولا ورعًا إذا كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أن أصل التقي والورع ثابت فيه،وأنه قد يزيد فيه فرعًا بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم،ثم لا يسمونه متقيًا ولا ورعًا مع إتيانه بعض الكبائر،بل سموه فاسقًا وفاجرًا مع علمهم أنه قد أتى ببعض التقى والورع،فمنعهم من ذلك أن اسم التقي اسم ثناء وتزكية، وأن اللّه قد أوجب عليه المغفرة والجنة .
قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمنًا ونسميه فاسقًا زانيًا، وإن كان في قلبه أصل اسم الإيمان؛ لأن الإيمان اسم أثنى اللّه به على المؤمنين وزكاهم به وأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا: مسلم،ولم نقل: مؤمن، قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق ألا يكون في قلبه إيمان ولا إسلام،لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن اللّه يقول: ( أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) ، ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة تحكم عليه بالأحكام التي ألزمها اللّه للمسلمين ولا يكفرونهم، ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم مسلمون؛ إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين؛إذ كان الإسلام يثبت للملة التي يخرج بها الإنسان من جميع الملل،فتزول عنه أسماء الملل إلا اسم الإسلام، وتثبت أحكام الإسلام عليه،وتزول عنه أحكام جميع الملل .