فالمهتدون لما كانوا على هدي من ربهم ونور وبينة وبصيرة، صار / مكانة لهم استقروا علىها، وقد تحيط بهم، بخلاف الذين قال فيهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ على وَجْهِه } [ الحج: 11 ] ، فإن هذا ليس ثابتًا مستقرًا مطمئنًا، بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه، فقد يطمئن إذا أصابه خير، وقد ينقلب على وجهه ساقطًا في الوادي .
وكذلك فرق بين من أسس بنيانه على تقوي من الله ورضوان، وبين من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، وشواهد هذا كثير .
فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بينة من ربهم وبصيرة، وهدي ونور، وهو الإيمان الذي في قلوبهم، والعلم والعمل الصالح، ثم قال: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } [ هود: 17 ] ، والضمير في { مِّنْهُ } عائد إلى الله ـ تعالى ـ أي: ويتلو هذا الذي هو على بينة من ربه شاهد من الله،والشاهد من الله، كما أن البينة التي هو علىها المذكورة من الله ـ أيضًا .
وأما قول من قال: ( الشاهد ) من نفس المذكور وفسره بلسانه، أو بعلى بن أبي طالب، فهذا ضعيف؛ لأن كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنه مثل شهادة / الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله، فإن الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: { قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } [ الرعد: 43 ] ، إنه على فهذا ضعيف؛ لأن شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتد إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حجة على الكفر، بخلاف شهادة من عنده علم الكتاب الأول فإن هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة، كما قال في هذه السورة: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَي إِمَامًا وَرَحْمَةً } [ هود: 17 ] ، وقال: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ } [ الأحقاف: 10 ] ، وقال: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إليكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } [ يونس: 94 ] وقال: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } [ الأنعام: 114 ] ، وهذا الشاهد من الله هو القرآن .
ومن قال: إنه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا من تلقاء نفسه، بل هو الذي بلغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أن القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: { لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إليكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا } [ النساء: 166 ] ، والذي قال هو جبريل . قال: يتلوه، أي: يقرؤه، كما قال: { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } [ القيامة: 18 ] ، أي: إذا قرأه جبريل فاتبع ما قرأه . وقال: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [ النجم: 5 ] .
ومن قال: الشاهد لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن ولم يذكر؛ لأنه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن / لما احتاج إلى ذلك، وقد قال: على بينة من ربه، فقد ذكر أن القرآن من الله، وقد علم أنه نزل به جبريل على محمد ، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: { وَيَتْلُوهُ } جبريل أو محمد، تكرير لافائدة فيه؛ ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن .
وأيضًا، فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله واحد لا يكون علىه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به، فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنه رسول الله . وأن الله أنزل القرآن علىه . ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية، لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة .
وأيضًا، فتسمية جبريل شاهدًا، لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية على شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة، بخلاف شهادة الله؛ فإن الله أخبر بشهادته لرسوله في غير موضع، وسمي ما أنزله شهادة منه في قوله: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ } [ البقرة: 140 ] ، فدل على أن كلام الله الذي أنزله وأخبر فيه بما أخبر شهادة منه .
/وهو ـ سبحانه ـ يحكم ويشهد، ويفتي ويقص، ويبشر ويهدي بكلامه، ويصف كلامه بأنه يحكم ويفتي، ويقص ويهدي، ويبشر وينذر، كما قال: { قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } [ النساء: 127 ] ، { قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ } [ النساء: 176 ] ، وقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ على بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [ النمل: 76 ] ، وقال: { نَحْنُ نَقُصُّ عليكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [ يوسف: 3 ] ، وقال: { قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصلينَ } [ الأنعام: 57 ] ، وقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [ الإسراء: 9 ] .
وكذلك سمي الرسول هاديًا فقال: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ الشوري: 52 ] ، كما سماه بشيرًا ونذيرًا، وسمي القرآن بشيرًا ونذيرًا، فكذلك لما كان هو يشهد للرسول والمؤمنين بكلامه الذي أنزله، وكان كلامه شهادة منه، كان كلامه شاهدًا منه، كما كان يحكم ويفتي، ويقص ويبشر وينذر .