ولما قيل لعلى بن أبي طالب: حَكَّمتَ مخلوقًا . قال: ما حكَّمتُ مخلوقًا، وإنما حكمتُ القرآن . فإن الذي يحكم به القرآن هو حكم الله، والذي يشهد به القرآن هو شهادة الله ـ عز وجل ـ قال عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم ـ وقد كان إمامًا، وأخذ التفسير عن أبيه زيد، وكان زيد إمامًا فيه، ومالك وغيره أخذوا عنه التفسير، وأخذه عنه عبد الله / بن وَهْب [ هو أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري، أحد الأثبات والأئمة الأعلام، وصاحب التصانيف، طلب العلم وله سبع عشرة سنة، صحب مالكًا عشرين سنة وصنف الموطأ الكبير والصغير وحدث بمائة ألف حديث، ولد سنة 521هـ، وتوفي في شعبان سنة 791هـ ] صاحب مالك، وأصْبَغ بن الفرج [ هو أبو عبد الله أَصْبَغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، الأموي، مفتي الديار المصرية وعالمها، المالكي، وثقه أحمد ابن عبد الله، وقال ابن معين: ( كان من أعلم خلق الله برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة، متي قالها مالك، ومن خالفه فيها ) ، وله مصنفات، ولد بعد سنة 051هـ، وتوفي في سنة 522هـ ] الفقيه، قال: ـ في قوله تعالى: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } [ هود: 17 ] ـ قال رسول الله: ( كان على بينة من ربه ) والقرآن يتلوه شاهد ـ أيضًا ـ لأنه من الله .
وقد ذكر الزَجَّاج فيما ذكره من الأقوال: ويتلو رسول الله القرآن، وهو شاهد من الله . وقال أبو العإلىة: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } : هو محمد، { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } : القرآن، قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، ومجاهد، وأبي صالح، وإبراهيم، وعِكْرِمَة، والضحاك، وقتادة، والسدِّي، وخَصِيف، وابن عُيينَةَ نحو ذلك . وهذا الذي قالوه صحيح، ولكن لا يقتضي ذلك أن المتبعين له ليسوا على بينة من ربهم، بل هم على بينة من ربهم .
وقد قال الحسن البصري: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } قال: المؤمن على بينة من ربه، ورواه ابن أبي حاتم، وروي عن الحسين بن على { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } يعني: محمدًا شاهد من الله، وهي تقتضي أن يكون الذي على البينة من شهد له .
وقول القائل: من قال: هو محمد، كقول من قال: هو جبريل، فإن كلاهما بلَّغ القرآن، والله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس،/ فاصطفي جبريل من الملائكة، واصطفي محمدًا من الناس . وقال في جبريل: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [ التكوير: 19 ] ، وقال في محمد: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [ الحاقة: 40 ] وكلاهما رسول من الله، كما قال: { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } [ البينة: 1 ـ 3 ] فكلاهما رسول من الله بلغ ما أرسل به، وهو يشهد أن ما جاء به هو كلام الله، وأما شهادتهم بما شهد به القرآن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن، فإنه يشهد بكل ما شهد به القرآن؛ لكونه آمن به، سواء كان قد بلغه أو لم يبلغه .
ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له، وهو مأمور بهذا وبهذا وله أجر على هذا وهذا، كما قال: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 285 ] ، ولهذا كان يقول: أشهد أني عبد الله ورسوله، فشهادة جبريل ومحمد بما شهد به القرآن من جهة إيمانهما به، لا من جهة كونهما مرسلين به، فإن الإرسال به يتضمن شهادتهما أن الله قاله، وقد يرسل غير رسول بشيء، فيشهد الرسول أن هذا كلام المرسل وإن لم يكن المرسل صادقًا ولا حكيمًا، ولكن علم أن جبريل ومحمدًا يعلمان أن الله صادق حكيم، فهما يشهدان بما شهد الله به .
وكذلك الملائكة والمؤمنون، يشهدون بأن ما قاله الله فهو حق /،وأن الله صادق حكيم، لا يخبر إلا بصدق،ولا يأمر إلا بعدل { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا } [ الأنعام: 115 ] .
فقد تبين أن شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن، وشهادة القرآن هي شهادة الله ـ تعالى ـ والقرآن شاهد من الله، وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على بينة من ربه، فإن البينة والبصيرة والنور والهدي الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، قد شهد القرآن المنزل من الله بأن ذلك حق .
و { وَيَتْلُوهُ } معناه: يتبعه، كما قال: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } [ البقرة: 121 ] ، أي: يتبعونه حق اتباعه، وقال: { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا } [ الشمس: 2 ] ، أي: تبعها، وهذا قَفَاه إذا تبعه . وقد قال: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء: 36 ] ، فهذا الشاهد يتبع الذي على بينة من ربه، فيصدقه ويزكيه، ويؤيده ويثبته، كما قال: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ } [ النحل: 102 ] ، وقال: { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عليكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [ هود: 120 ] ، وقال: { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [ المجادلة: 22 ] .
وقد سمي الله القرآن سلطانًا في غير موضع، فإذا كان السلطان المنزل من الله يتبع هذا المؤمن، كان ذلك مما يوجب قوته وتسلطه علمًا وعملًا، وقال: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء
وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [ الإسراء: 82 ] ، / { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } الآية [ التوبة: 124 ] .