قال الطبري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} : (يعني بقوله جل ثناؤه وكنتم، يا معشر المؤمنين، من الأوس والخزرج، على حرف حفرة من النار. وإنما ذلك مثل لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن ينعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له) . أهـ جامع البيان للطبري.
ولا شك أن الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه جاهلية، قال سبحانه: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقوله: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ؛ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم اليساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون.(ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء). أهـ تفسير ابن كثير.
خامسًا: التحاكم إلى غير شرع الله سبحانه كفر وشرك:
قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .
قال الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره: ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكمًا بين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة {فأولئك هم الكافرون} يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه، {هم الكافرون} يقول: هم الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه، وغطوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحت أخذوه منهم عليه) . أهـ جامع البيان.
سادسًا: الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه اتباع للهوى:
قال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 44] .
قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: (وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} ؛ أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسوله؛ ولهذا قال: {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} ؛ أي: لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء) . أهـ تفسير ابن كثير.
سابعًا: الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه ظلم وفسق:
قال سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، وقال سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .
فكل هذه أدلة قاطعة على حرمة التحاكم إلى غير شرع الله سبحانه، فكيف بمن ينصب نفسه مشرعًا من دون الله، أو يرضى بالتشريعات الوضعية التي تناقض شرع الله سبحانه من كل وجه، وتفتح أبواب الضلال والفساد؟
ورغم تلك الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة نجد بعض الجماعات الإسلامية تنادي بالمشاركة في المجالس التشريعية متذرعة بمبررات هي أوهى من خيوط العنكبوت منها:
1)قصة يوسف عليه السلام:
يستدل هؤلاء بقصة يوسف عليه السلام التي تدل على أن يوسف عليه السلام عمل في حكم الملك الكافر واستلم منصبًا وزاريًا، واستغله في باب الإصلاح، ونحن موافقون في هذا الأمر لنبي الله يوسف عليه السلام، ولو كان الأمر محرمًا لما وقع ذلك من نبي معصوم.