فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 443

أقول: سبحان الله كيف يستدلون على مسألة عظيمة بما لا يعرفون، فهم يوفقون بين عمل نبي الله يوسف عليه السلام، وبين دخولهم في المجالس التشريعية ويجعلون الحكم في المسألتين واحدًا. ومن كانت عنده مسكة علم بما جاء به الأنبياء يعلم يقينًا أن دعوتهم تتفق على دعوة الناس إلى عبادة الله سبحانه وحده لا شريك له، والتبرؤ من كل ما يعبد من دونه، قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36] .

ومن الطاغوت الذي دعا الأنبياء عليهم السلام إلى اجتنابه، التحاكم إلى غير شرع الله، فهو كما بينت شرك وكفر، فكيف يجوز على نبي من أنبياء الله أن يقع في الكفر والشرك وما أرسله الله سبحانه إلا للدعة إلى التوحيد؟

ومن ناحية ثانية، فالله سبحانه قال على لسان يوسف عليه السلام:(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: 40] .

فيوسف عليه السلام يدعو صاحبيه إلى توحيد العبادة مبينًا لهما أن الحكم لا يكون إلا لله سبحانه، ثم يقع هو فيما ينهاهما عنه، فهل يقول بذلك مؤمن؟

وأما ما فعله يوسف عليه السلام فلا دخل له بقضية التشريع، فالتشريع شرك لا يقع بمثله عامة من وقر الإيمان في قلوبهم، فكيف بأنبياء الله سبحانه؟

وما أعجبني ذلك الرد الذي قالوا فيه، إن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، وهذا الرد أسخف مما قبله إذ لا يكون الشرك جائزًا في ملة الأنبياء السابقين، وهو محرم في شرعة رسولنا صلى الله عليه وسلم، بل الشرك ومنه الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه محرم في دين الله عمومًا.

2)الأخذ بالمصالح المرسلة:

ومن أدلة القوم، الأخذ بالمصالح المرسلة، ويعتبرون الغاية مبررة للوسيلة، فهم يدخلون المجالس التشريعية على نية إصلاح الفساد المنتشر في الأنظمة الكفرية، وعليه يجوزون الدخول في تلك المجالس الفاسدة.

أقول وبالله التوفيق: إن هذا التعليل عليل، بل هو أكثر علة من العليل، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة أي لا يجوز السير في الطريق المعوج من أجل تحصيل مصلحة شرعية، خاصة إذا كانت القضية متعلقة بمسألة من مسائل العقيدة، وقد بين الله سبحانه أن الواجب على المسلم هو اجتناب الطاغوت لا الانخراط في صفوف الطواغيت من أجل الإصلاح قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

واجتناب الشيء هو أن تجعله في ناحية غير الناحية التي تكون فيها، لا أن تلوث نفسك في خبائثه، وعليه لا يجوز للمسلم بأي حال من الأحوال أن يجاري الطواغيت ويركن إليهم، قال سبحانه: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 75] .

قال الطبري رحمه الله تعالى:(يقول تعالى ذكره: ولولا أن ثبتناك يا محمد بعصمتنا إياك عما دعاك إليه هؤلاء المشركون من الفتنة، {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} ؛ يقول: لقد كدت تميل إليهم وتطمئن شيئا قليلًا وذلك ما كان صلى الله عليه وسلم هم به من أن يفعل بعض الذي كانوا سألوه فعله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر حين نزلت هذه الآية، ما حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قوله {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

القول في تأويل قوله تعالى: {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الأسراء: 75] ؛ يقول تعالى ذكره: لو ركنت إلى هؤلاء المشركين يا محمد شيئًا قليلًا فيما سألوك إذن لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات) . أهـ جامع البيان.

وقال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 8 - 9] .

قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: (يقول الله تعالى، لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فلا تطع المكذبين} ؛ الذين كذبوك وعاندوا الحق، فإنهم ليسوا أهلًا لأن يطاعوا، لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم، وهم لا يريدون إلا الباطل، فالمطيع لهم مقدم على ما يضره، وهذا عام في كل مكذب، وفي كل طاعة ناشئة عن التكذيب، وإن كان السياق في شيء خاص، وهو أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسكت عن عيب آلهتهم ودينهم، ويسكتوا عنه، ولهذا قال: {ودوا} ؛ أي: المشركون {لو تدهن} أي: توافقهم على بعض ما هم عليه، إما بالقول أو الفعل أو بالسكوت عما يتعين الكلام فيه، {فيدهنون} ولكن اصدع بأمر الله، وأظهر دين الإسلام، فإن تمام إظهاره، بنقض ما يضاده، وعيب ما يناقضه) . أهـ تفسير السعدي.

فإذا كان مجرد الركون والمداهنة إثمًا عظيمًا يستحق أصحابه عليه غضب الله ولعنته، فكيف بمشاركتهم والتعامل معهم بل ومعاونتهم؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت