فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 443

والقاعدة التي بنى عليها القوم مذهبهم على غير ما يظنون، فالأخذ بالمصالح المرسلة جائزة إذا ما تعارضت مع النصوص الشرعية، أو ما كان في أصله مباحًا يتوصل به إلى العبادة الشرعية، نحو رفع المآذن في المساجد بغية إيصال الصوت إلى أبعد مدى، أو المنبر الذي يوضع للخطيب وغير ذلك من الوسائل التي يستعان بها على فعل الطاعة، أما إن كانت هذه المصالح في أصلها محرمة، فإن العمل بها محرم شرعًا، فهي تفتح أبواب الشرور على أهلها والعياذ بالله، وتؤدي إلى تميع الأحكام الشرعية والتهاون بها، والواجب على المسلمين هو الصدع بدعوتهم وبيان أحكام دينهم من غير خوف أو تردد أو مداهنة أو مداراة قال سبحانه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 94 - 95] .

وهذه الآية الكريمة تضمنت أمرين، الأول؛ الصدع بالدعوة، والثاني؛ الإعراض عن المشركين وخطاب الله سبحانه لرسوله، خطاب لأمته، فالواجب على المسلمين أن يصدعوا بما أمروا به من عبادة الله سبحانه، والتبرؤ مما سوى ذلك، ولا ريب أن مشاركة الطواغيت في مثل هذا الأمر العظيم يعتبر كتمانًا للحق، ومداهنة للظالمين، وقد علمت أخي الحبيب ما أعد الله سبحانه للمداهنين.

3)المحافظة على وحدة الصف:

ومن أدلتهم التي يستندون إليها في إباحتهم المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي، وحدة الصف واجتماع الكلمة، متذرعين بأن عدم المشاركة يؤدي إلى وقوع فتنة بين المسلمين.

أقول: وهذا قول باطل مخالف لقواعد الحق، فإن الواجب على المسلمين إقامة الولاء والبراء في الحق، لا في الأباطيل، وإقامة الولاء على أساس الوطن أو ما شابهه، من الجاهلية التي أمرنا الله سبحانه ورسوله باجتنابها، فهي مشروع فاشل يبغضه الله ورسوله وصالح المؤمنين، فليس الولاء في الأمة على الأسس الوطنية الواهية النتنة التي من شأنها أن تفرق المسلمين وتخالف بينهم، بل الولاء في المسلمين يقوم على أساس العقيدة قال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (لما ذكر الله تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: {بعضهم أولياء بعض} ؛ أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح:"المؤمن للمؤمن كالبنان يشد بعضه بعضا"، وشبك بين أصابعه. وفي الصحيح أيضا:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقوله: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ، كما قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104] ، وقوله تعالى: {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} ؛ أي: يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه، {ويطيعون الله ورسوله} ؛ أي: فيما أمر، وترك ما عنه زجر، {أولئك سيرحمهم الله} ؛ أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، {إن الله عزيز حكيم} ؛ أي: عزيز، من أطاعه أعزه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، {حكيم} في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله، تبارك وتعالى) . أهـ تفسير ابن كثير.

وثبت في الأحاديث الصحيحة أن أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله) [رواه الطبراني وهو حديث حسن] .

فعلى هذا تُبنى العلاقات بين المسلمين، تبنى على الوحدة على أساس العقيدة، لا على أساس القومية والوطنية، بل جعل الله سبحانه كل من يقيم مودته على اعتبار الوطن والقربى من الظالمين قال سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت