فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 443

وهنا أعود إلى عنوان هذه المقالة بعد أن تبين لنا معناها ، وأقول: إن هناك فرق بين تناول التوحيد كعلم مجرد وبين أخذه علمًا وحالًا وسلوكًا ، إن المواقف المتخاذلة اليوم أمام أمريكا الكافرة وحلفائها ، وعدم الصدع والجهر بعداوتها والبراءة منها ومن يتولاها لهو أكبر دليل على أن التوحيد عند الكثير منا بقي في حدود العلم المجرد ، أما أخذه علمًا وحالًا وعملًا فإنه - ويا للأسف - أصبح مغيبًا عن الأمة ، ومغيبًا عن المواقف والممارسات . إن هذا الدين يرفض اختزال المعارف الباردة في الأذهان المجردة . إن العلم في هذا الدين يقتضي العمل ، ويتحول في قلب المسلم إلى حركة وأحوال ومواقف ، إذ لا قيمة للمعرفة المجردة التي لا تتحول لتوِّها إلى حركة ومواقف . نعم ، لا قيمة للدراسات الإسلامية في شتى مناهجها ومعاهدها ، ولا قيمة لاكتظاظ الأدمغة بمضمونات هذه المعارف إن لم يصحبها عمل ومواقف . إن العلم المجرد حجة على صاحبه إذا لم يقتضِ عنده العمل . إن العلم بالدين لابد أن يزاول في الحياة ، ويطبق في المجتمع ، ويعيش في الواقع ، وإلا فما قيمة الدروس المكثفة عن الولاء والبراء وأنواعه ، وما يضاده من الشرك وما ينقضه من النواقض ، ثم لما جاءت المواقف التي نحتاج فيها إلى تطبيق ما تعلمناه من مشائخنا فإذا بالسكوت ، بل والتشنيع على من ترجم ما تعلمه إلى سلوك وحال مع أعداء الله - عز وجل - فأعلن براءته وصرَّح بما تعلمه من علمائه ومشائخه من أن تولي الكفار ومناصرتهم على المسلمين رِدَّة وناقض من نواقض الإسلام . إن شأن التوحيد شأن عظيم من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ، وقام سوق الجهاد وسوق الجنة والنار ، ومن أجل الولاء والبراء - الذي هو أس التوحيد وركنه الركين - هاجر المسلمون السابقون الأولون من ديارهم ، وضحّوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، وفاصلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشائرهم الذين ليسوا على دينهم متمثلين في ذلك قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ، قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" [ التوبة:23-24] .

إذن ، فمسألة الولاء والبراء ليست مسألة ذهنية نظرية تدرس لمجرد الدراسة والثقافة ، ولكنها مسألة خطيرة متى ما استقرت في قلب المؤمن الصادق فإنها تجعل منه رجل عقيدة باطنًا وظاهرًا قلبًا وقالبًا يتحرك بعقيدته يوالي من يواليها ، ويعادي من يعاديها ، ويهاجر ويجاهد في سبيل الله من أجلها ؛ إنه لا قيمة للمعرفة التي لا تتحول إلى عمل وحركة ومواقف ، ولا قيمة للدراسات الإسلامية والبحوث العقدية ، واكتظاظ أرفف المكتبات والأدمغة بها إن لم تزاول هذه العلوم والدراسات في الحياة ، وتطبق في المجتمعات ، وتحدد في ضوئها العلاقات، وتتمثل في حركة و مواقف يواجه بها الباطل وأهله .

والمقصود: بيان أن شأن الولاء والبراء شأن عظيم ، وأنه ليس علمًا مجردًا ، بل يجمع إلى ذلك المقصود عمل القلب وبراءته من الشرك وأهله ، وإعلان ذلك ، وإظهاره باللسان ، وترجمة ذلك إلى عمل وجهاد وسلوك . أما أن يبقى رهين الكتب والأدمغة فإن هذا مما لا يتفق مع طبيعة هذا الدين الذي هو جد كله ؛ لأنه قول القلب وعمله ، وقول اللسان وعمل الجوارح، ولما كانت عقيدة الولاء والبراء هي صلب كلمة التوحيد ، وأنها تستلزم أقوالًا وأعمالًا ومواقف وبذلًا وتضحيات اهتم بها السلف اهتمامًا عظيمًا ، وعلموها لأولادهم ، وتواصوا بها ، وهاجروا ، وجاهدوا من أجلها ، وعادوا، ووالوا على أساسها . يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى-:"فاللهَ اللهَ إخواني: تمسّكوا بأصل دينكم أوله وآخره أسّهِ ورأسه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله ، واعرفوا معناها وأَحِبّوا أهلها ، واجعلوهم إخوانكم ، ولو كانوا بعيدين ، واكفروا بالطواغيت ، عادوهم ، وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم ، أو قال: ما عليّ منهم ، أو قال ما كلفني الله بهم ، فقد كذب على الله وافترى، بل كلفه الله بهم وفرض عليه الكفر بهم ، والبراءة منهم ولو كانوا إخوانه وأولاده ، فالله الله تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئًا"الدرر السنية 2/119.

وقال في موطن آخر:"إن الواجب على الرجل أن يعلم عياله وأهل بيته الحب في الله والبغض في الله ، والموالاة في الله ، والمعادات فيه قبل تعليم الوضوء والصلاة ؛ لأنه لا صحة لإسلام المرء إلا بصحة صلاته ولا صحة لإسلامه - أيضًا - إلا بصحة الموالاة والمعادات في الله"الرسائل الشخصية ص 323. ولما تواجه المسلمون في تاريخهم الطويل مع أعدائهم الكافرين بشتى مللهم برز دور العلماء في وقتهم ، وهم يحرِّضون على نصرة المسلمين وإعانتهم على الكافرين ويحذرون من تولي الكافرين ، ومناصرتهم بأي نوع من أنواع النصرة ، ويفتون بأن من ظَاهَر الكافرين على المسلمين فهو مرتد خارج عن ملة الإسلام . فهذا الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - قال عن بابك الخرّمي عندما خرج على المسلمين وحاربهم وهو بأرض المشركين:"خرج إلينا يحاربنا وهو مقيم بأرض الشرك ، أيّ شيء حكمه ؟ إن كان هكذا فحكمه حكم الارتداد" ( الفروع 6/163) .

وعندما هجم التتار على أراضي الإسلام في بلاد الشام وغيرها أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - برِدِّة من قفز إلى معسكر التتار من بعض المنتسبين إلى الإسلام ( الفتاوى 28/530) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت