-وهذا السياق يتضمن معنًا بلاغيًا، حيث إن الكفر بالطاغوت لا يكون إلا نتيجة الإيمان بالله سبحانه، أي الذين يؤمنون بالله هم الذين يكفرون بالطاغوت، فقدم سبحانه الفرع على الأصل، ليدلنا على حقيقة غائبة عن أذهان كثير من أبناء هذه الأمة، وهي أن الإيمان لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، أي من لم يكفر بالطاغوت، لا يكون مؤمنًا بالله سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَدُ من دون الله ) . رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبيه فمن لم يكفر بالطاغوت لا يكون مؤمنًا حقيقة وإن كان مقرًا بصحة ما أنزله الله سبحانه على محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا فهمت هذا، تعلم أن أصل الخلاف بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين قومه لم يكن على مسألة الإقرار على تفرد الله سبحانه بالربوبية، بل هم مقرون بذلك قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ(61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ). (63) العنكبوت
-قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم وأرزاقهم فتفاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلا منهم ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلمَ يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه، فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى (مقام الإلهية) بالاعتراف بتوحيد الربوبية ،وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. أ هـ تفسير ابن كثير
-وقال سبحانه: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) . (38) الزمر
-وقال سبحانه: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) . (25) لقمان
-وقال سبحانه: ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) . (31) يونس
-وقال سبحانه: ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) . (89) المؤمنون
-يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له؛ ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية، فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا، ولا يملكون شيئا، ولا يستبدون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى: ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) . الزمر: 3، فقال: ( قل لمن الأرض ومن فيها ) . أي: من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات، وسائر صنوف المخلوقات (إن كنتم تعلمون. سيقولون لله ) أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ( قل أفلا تذكرون ) أي: لا تذكرون أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره. أ هـ تفسير ابن كثير.
-فهذه الآيات وغيرها ، تبين أن كفار قريش كانوا مقرين بوجود الله سبحانه، وأنه الخالق المالك المقدر، ومع ذلك لم يدخلوا في الإيمان، وحقيقة إقرارهم نابع من الفطرة التي فطر الله الناس عليها إذ قال سبحانه: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) . (30) الروم