-فالله سبحانه فطر الناس على التوحيد، إذ أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقيم وجهه للدين حنيفًا مبينًا أن ما أُمر به صلى الله عليه وسلم هو ما فطر الناس عليه فطرة، أي فطر الناس على التوحيد، ويعزز ذلك المعنى قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) . (173) الأعراف
-فالله سبحانه أخذ على بني آدم الميثاق وهم في ظهر أبيهم آدم عليه السلام بأنه ربهم، قاطعًا عليهم عذري الجهل والتقليد، ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) وهذا عذر الجهل. ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم ) . وهذا عذر التقليد، فالله سبحانه خلق العباد مقرين بربوبيته غير جاهلين أو شاكين، ويؤيد ما ذهبنا إليه ما رواه الإمامان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ( يقالُ للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنتَ مفتديًا به؟ قال فيقول: نعم. فيقول: قد أردّت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلاّ أن تشرك بي ) .
-وكذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ) . متفق عليه.
-وفي رواية صحيحة: ( إلا ويولد على الملة ) . وفي صحيح ابن حبان ( إلا ويولد على فطرة الإسلام ) . فما من مولود إلا ويولد مقرًا بربوبية الله سبحانه، وهذا الخبر شامل لكل مولود دون استثناء، بل قد دلت النصوص الشرعية على أن كفار قريش لم يكونوا يُكذّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به، كما في قوله تعالى: ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) . (33) الأنعام
-فالكافرون رغم إقرارهم بوجود الله سبحانه، كانوا مكذبين بأن العبادة لا تكون إلا له كما في قوله تعالى: ( وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ). (8) ص
-فهم عجبوا أن جعل الآلهة إلهًا واحدًا، في الوقت الذي كانوا فيه مقرين بوجود الله سبحانه، وأنه الخالق المالك المقدر.
-قال القرطبي في تفسير هذه الآية المباركة: وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ فقال: (يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم ) فقال: وما هي؟ قال: (لا إله إلا الله) قال: فقالوا: ( أجعل الآلهة إلها واحدًا ) قال: فنزل فيهم القرآن: ( ص والقرآن ذي الذكر* بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) حتى بلغ ( إن هذا إلا اختلاق ) خرجه الترمذي أيضا بمعناه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك. قال: (وماذا يسألونني) قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم) فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا لا إله إلا الله) فنفروا من ذلك وقاموا؛ فقالوا: ( أجعل الآلهة إلها واحدًا ) فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد. فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله: (كذبت قبلهم قوم نوح ) . أ هـ الجامع لأحكام القرآن.
-ومن هذا المنطلق فرق العلماء المعتبرون بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فليس كل من يقر بتوحيد الربوبية يعتبر موحدًا، بل لا بد من أن يدخل عليه توحيد الألوهية، وهو ما يسميه أهل العلم: بتوحيد العبادة.
-قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن تأمل ما في السيرة والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا.اهـ زاد المعاد 3 / 42.