فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 443

يقول رحمه الله تعالى:إن من الكفرِ الأكبرِ المستبينِ، تنزيلُ القانونِ اللعينِ منزلةَ ما نَزَلَ به الروحُ الأمينُ على قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسانٍ عربي مبينٍ، في الحكم به بين العالمين، والرَدِّ إليه عند المتنازعين، مناقضةً ومعاندةً لقولِ الله عز وجل: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) . وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمانَ عن مَّنْ لم يُحَكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شَجَرَ بينهم، نفيًا مؤكدًا بتكرارِ أداةِ النفي وبالقسمِ، قال تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) ولم يكتفِ تعالى وتقدَّس منهم بمجرد التحكيمِ للرسولِ صلى الله عليه وسلم، حتى يضيفوا إلى ذلك عَدَمَ وجودِ شيءٍ من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ( ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ) . والحَرَجُ: الضِّيقُ. بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب. ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقيادِ لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلَّونَ ها هُنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكمِ الحقِّ أَتمَّ تسليم، ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأن: ( تَسْلِيمًا ) المبين أنه لا يُكْتَفى ها هنا بالتسليم.. بل لا بد من التسليم المُطْلَقِ. وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) . كيف ذكر النكِرَةَ وهي قوله: ( شَيْءٍ ) في سياق الشَرْطِ وهو قوله جل شأنه: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ ) المفيد للعموم، فيما يُتَصوَّرُ التنازعُ فيه جنسًا وقدرًا. ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطًا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: ( إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) . ثم قال جل شأنه: ( ذلِكَ خَيْرٌ ) فشيءٌ يُطْلقُ الله عليه أنه خيرٌ لا يتطرَّقُ إليه شرٌّ أبدًا، بل هو خيرٌ محضٌ عاجلًا وآجلًا .ثم قال: ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) أي: عاقبةً في الدنيا والآخرة، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع شرٌ محضٌ وأسوأ عاقبة في الدنيا الآخرة. عكس ما يقولُه المنافقون: ( إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ) ، وقولهم: ( إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ، ولهذا ردَّ الله عليهم قائلًا: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) .وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم إليه وهذا سوءُ ظنّ صرْف بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومحضُ استنقاصٍ لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن هذا لازم لهم. وتأمل أيضا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى ( فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) فإن اسم الموصول مع صلته مع صيغ العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدر فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين، كما قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا ) . فإن قوله عز وجل: ( يَزْعُمُونَ ) تكذيب له فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد. فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت