فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 443

إليه. وذلك أنه من حق كل أحد أن يكون حاكما بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقط لا بخلافه.كما إن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوزَ حَدَّه، حُكْمًا أو تحكيمًا، فصار بذلك طاغوتًا لتجاوزه حَدَّه. وتأمل قوله عز وجل: ( وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ) تعرفْ منه معاندة القوانين، وإرادتهم خلافَ مرادِ الله منهم حولَ هذا الصددِ، فالمرادُ منهم شرعًا والذي تُعُبّدوا به هو: الكفرُ بالطاغوتِ لا تحكيمُهُ، ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) . ثم تأملْ قوله: ( وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ) كيف دَلَّ على أن ذلك ضلالٌ، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهُدَى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصورُ القانونيون من بُعدِهم من الشيطان، وأنَّ فيه مصلحة الإنسان، فتكونُ على زعمهم مراداتُ الشيطان هي صلاح الإنسان، ومرادَ الرحمن. وما بُعث به سيدُ ولد عدنانٍ معزولًا من هذا الوصف، ومُنَحى عن هذا الشأنِ. وقد قال تعالى مُنكرًا على هذا الضرب من الناس، ومقررًا ابتغاءَهم أحكام الجاهلية، موضحًا أنه لا حكمَ أحسن من حُكمهِ: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) . فتأملْ هذه الآيةَ الكريمةَ وكيف دلتْ على أن قِسْمةَ الحكم ثنائيةٌ، وأنه ليس بعد حكمِ الله تعالى إلا حكم الجاهلية، الموضِّح أنَّ القانونيين في زمرةِ أهل الجاهلية، شاءوا أم أبوا، بل هم أسوءُ منهم حالًا، وأكذبُ منهم مقالًا، بل أنَّ أهلَ الجاهليةِ لا تَنَاقُضَ لديهم حولَ هذا الصددِ .وأما القانونيون فمتناقضون، حيثُ يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: ( أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ) ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله عز وجل: ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) . قال الحافظ بن كثير في تفسير الآية: ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحْكَمِ المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم (جنكيز خان) الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية، والنصرانية، والملّة الإسلامية، وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا مُتَّبَعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتالُهُ، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحكِّمُ سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يَعدلون. ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي: ومن أعدل من الله في حكمِهِ، لمن عَقَل عن الله شرعَه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكمُ الحاكمين، وأرحم بخلقِهِ من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. - انتهى قول الحافظ بن كثير- وقد قال عز شأنه قبل ذلك مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ( فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ) . وقال تعالى: ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) . وقال تعالى مخبرًا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بين الحكم بين اليهود والإعراض عنهم وإن جاءوه لذلك: ( فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) والقسط هو: العدل . ولا عدل حقا إلا حكم الله ورسوله، والحكم بخلافه هو الجور، والظلم والضلال والكفر، والفسوق، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ، ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) . فانظر كيف سَجَّلَ تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن المُمْتَنِع أن يُسَمِّي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ولا يكون كافرًا، بل هو كافر مطلقا، إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل على أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر: إما كفرُ اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة. أما الأول: وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت