أحدها: أن يجحد الحاكم ُ بغير ما أنزل الله أحقيَّة حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو معنى ما رُوي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا مالا نزاعَ فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقرِّرةَ المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فَرْعًا مُجْمَعًا عليه، أو أنكر حرْفًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قَطعيًَّا فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.
الثاني: أن لا يجحد الحاكمُ بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقًّا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسنُ من حكمِهِ، وأتمُّ وأشملُ لما يحتاجُهُ الناسُ من الحكمِ بينهم عند التنازع، إما مطلقًا أو بالنسبة إلى ما استجدَّ من الحوادث، التي نشأتْ عن تطور الزمان وتغيُّر الأحوال، وهذا أيضا لا ريب أنه كفرٌ، لتفضيلِهِ أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصِرْفُ حُثَالةِ الأفكار على حُكم الحكيم الحميد. وحكم الله ورسولِهِ لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال ،وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضيةٍ كائنةٍ ما كانتْ إلا وحكمُها في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نصّا أو ظاهرًا أو استنباطًا أو غير ذلك ،عَلِمَ ذلك من عَلِمَه وجَهِلَه من جَهِله. وليس معنى ما ذكره العلماءُ من تغيّرِ الفَتْوى بتغيُّر الأحوال ما ظنه من قلَّ نصيبُهم أو عدِمَ من معرفة مدارك الأحكام وعِلَلها، حيث ظنوا أنَّ معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأعراضَهَم الدنيوية وتصوراتهم، الخاطئة الوبية، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوصَ تابعة لها منقادة إليها، مهما أمكنهم فيحرفون لذلك الكلم عن مواضِعِه. وحينئذ معنى تغيرُّ الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مرادُ العلماء منه: ما كان مُسْتَصْحَبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جِنْسُها مرادٌ لله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتِهم، كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد.
الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله عز وجل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ونحوها من الآيات الكريمة، الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين، في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله، فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يَصْدُقُ عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
الخامس: وهو أعظمُها وأشملُها وأظهرُها معاندةً للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا وإمدادا وإرصادًا وتأصيلا، وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات، مرجعُها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلهذه المحاكم مراجع، هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، كالقانون الأمريكي، كالقانون البريطاني، وغيرها من القوانين ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأةٌ مكملةٌ، مفتوحة الأبواب ،والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، تُلْزمُهُم به، وتقرهم عليه، وتحتِّمُه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة .وذِكْرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البَسْط معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع. فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء وأولى النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله، نصًا أو استنباطًا، تَدَعُونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم، وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقِكم ، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله، الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق، الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات. فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه ، لما فيه من الاستبعاد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلًا عن كونه كفرًا بنص قوله تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .