فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 443

السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم) ، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحصلون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاءاَ على أحكام الجاهلية، وأعراضا ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يُخْرِجُ من الملة فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) قد شَمَلَ ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: ( كفر دون كفر) وقوله أيضا ( ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ) إ.هـ. وذلك أن تَحْمِلَه شهوتُهُ وهَواه على الحكم في القضية، بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكمَ الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ، ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجْه كفرُه عن الملةِ، فإنه معصيةٌ عظمى أكبرُ من الكبائر، كالزِّنا وشرب الخمر، والسرقةِ واليمين الغموس، وغيرها فإن معصيةً سماها الله في كتابه: كفرًا، أعظمُ من معصيةٍ لم يسمِّها كُفْرًا. نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكُم إلى كتابِهِ، انقيادًا ورِضاءًا، إنه وليُّ ذلك والقادر عَلَيه إ.هـ.

` نداء إلى علماء المسلمين:

أيها العلماء: إن منزلتكم عند الله عظيمة، فقد رفع الله درجاتكم إلى أعلى درجات قال سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . (18) آل عمران

وقال سبحانه: ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) . (9) الزمر

وهذا تساؤل بمعنى النفي، أي لا يستوي أهل العلم مع غيرهم من الناس، وقد جاء في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: ( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) . رواه الترمذي.

فأنتم أيها العلماء من تقومون بما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة الناس إلى توحيد الله سبحانه والتبرؤ من الشرك وأهله قال سبحانه: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) . (36) النحل

فهذا هو ميراث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ورثتموه عنه فلا تضيعوه فتكونوا كالذي قال الله سبحانه فيه: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ). (177) الأعراف

أيها العلماء إن عليكم مسؤولية عظيمة هي بيان ما يجب أن يكون عليه المسلمون فلا تكتموا العلم فإن كتم العلم من أعظم الكبائر التي تدخل أصحابها نار جهنم والعياذ بالله قال سبحانه: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). (160) البقرة

وفي الحديث عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) . أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه الحاكم وغيره.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل، من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه اللّه تعالى لعباده، في كتبه التي أنزلها على رسله، وقد نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي الحديث: (من سئل عن عِلْمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وروي عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب اللّه ما حدَّثت أحدًا شيئًا ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) الآية. قال أبو العالية: ( ويلعنهم اللاعنون ) يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث: ( إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحِيتان في البحر) ، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه اللّه والملائكة والناس أجمعون. ثم استثنى اللّه تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) أي رجعوا عمّا كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه ( فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) ، أ هـ تفسير ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت