وأوضح تبارك وتعالى لعباده المسلمين أنّ الكفار لن يرضوا عنهم حتى يفارقوا دينهم الحق ويكونوا أتباعًا للدين الباطل فقال سبحانه: (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم ) ) [سورة البقرة: 120] ، وقال عزّ وجلّ: (( ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً ) ) [سورة النساء: 89] ، وقال جلّ جلاله: (( ودّ كثير من أهل الكتاب لو يرُدّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقّ ) ) [سورة البقرة: 109] . ومن ثَمّ جاءت الآيات تفضح الذين يُلقون إليهم بالمودة, والذين يسارعون فيهم, والذين يخشونهم, والذين يبتغون عندهم العزّة؛ لتنزع هذه الآيات من قلوب المسلمين تلكم العواطف الكاذبة والصداقات الباطلة (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالًا ودّوا ما عنتُّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلِّه وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليم بذات الصدور ) ) [سورة آل عمران: 118-119] .
فيتبين مما سبق أنّ هذا الأمر عظيمٌ وجليل، أمر إيمانٍ وكفر, كما قال ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: (( إلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ) ) [سورة الأنفال: 73] ،"أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين. وإلاّ وقعت فتنةٌ في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين؛ فيقع بين الناس فسادٌ منتشرٌ عريضٌ طويل" [تفسير القرآن العظيم: 2/435] .
فينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه وأن يراجع أمره، وأن يُخلص الولاء للمسلمين والبراء من المشركين. وصدق الله العظيم: (( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ) ) [سورة الممتحنة] .
ثالثًا: مكانة الولاء والبراء في السنة النبوية:
لقد جاءت نصوص السنة واضحةً جليَّةً في عقيدة الولاء والبراء، ويمكن بيان الهدْي النبويِّ في المعالم التالية:
[1] حدّد النبي صلى الله عليه وسلم الأُخوّة في الدّين رابطًا بين المسلمين كما جاء في صحيح مسلم: (المسلم أخو المسلم) ، وجاء في الصحيحين: (كونوا عباد الله إخوانًا) .
[2] رتّب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وجوب المحبّة والنصرة والتأييد بحيث (لا يُسلمه ولا يظلمه) (ولا يخذله) كما في حديث الصحيحين، وجاء في أحمد والترمذي: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتّى تحابّوا) ، وفي الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه) . وورد في أبي داود: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهم) ، و (المؤمن أخو المؤمن يكفّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه) ، وفي مسلم: (المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كلّه، وإذا اشتكى عينه اشتكى كلّه) ، وفي الصحيحين: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا) . قال الحافظ ابن رجب:"إنّ الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع، ويكفّ عنه الضر. ومن أعظم الضرر الذي يجب كفّه عن الأخ المسلم: الظلم" [جامع العلوم والحكم: 441] . وقال يحيى بن معاذ الرازي:"ليكن حظّ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تُفرحه فلا تَغُمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه" [المرجع السابق: 446] .
[3] قرّر النبي صلى الله عليه وسلم أن الولاء والبراء من العقائد التي لا يصح إسلام العبد إلا بها، ومن أعظم الشواهد على صدق الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: (أوثق عُرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله) [رواه أحمد] .
وكفى بذلك دليلًا على خطورة هذا الأمر وضرورة أن يعالج المسلم ما يعتريه في ذلك من خللٍ ويهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) ) [سورة الأحزاب: 21] .
رابعًا: مظاهر الولاء للكفار في زماننا: [أفاد ذلك الشيخ: عبد الحي يوسف في دروس تفسير آيات الأحكام في رمضان 1421هـ، وذلك بتصرف يسير]
[1] الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم [وقد أفتى علماء الإسلام في لجنة الفتوى والبحوث بجامعة القرآن الكريم بكفر من قال بإيمان اليهود والنصارى] ، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الباطلة، أو السماح لهم بترويج كفرهم والدعوة إليه ونشره بين المسلمين. ويدخل في ذلك ما يسمّى بمؤتمرات حوار الأديان التي تهدف إلى إزالة الفوارق بين الإسلام والديانات المحرّفة, وتجاوز الخلاف العقدي بين المسلمين وغيرهم.
[2] التولِّي العام، واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا، ومداهنتهم على حساب الدين. قال تعالى: (( ودّوا لو تُدهن فيُدهنون ) ) [سورة القلم: 9] . ومن ذلك مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم بها, قال تعالى: (( والذين لا يشهدون الزور ) ) [سورة الفرقان: 72] أي أعياد المشركين. ومنه أيضا زيارة الكنائس والمعابد الشركيَّة التي يُسبُّ فيها الله تعالى ويُكفَر به.