فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 443

[ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ

عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا

اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ] [المائدة: 80-81] .

يقول ابن تيمية عن هذه الآية: « فذكر جملة شرطية تقتضي أن إذا وجد

الشرط وجد المشروط بحرف ( لو ) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال:

[ ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ] فدل ذلك على

أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ، لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء

في القلب ، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ، ما فعل الإيمان الواجب من

الإيمان بالله والنبي ، وما أنزل إليه .. » [2] .

والولاء والبراء أيضًا أوثق عرى الإيمان ، كما قال -صلى الله عليه وسلم-:

« أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله » رواه أحمد والحاكم .

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: « فهل يتم الدين

أو يقام علم الجهاد ، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله

والبغض في الله .. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة

ولا بغضاء ، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار ، ولا بين

أولياء الرحمن وأولياء الشيطان » [3] .

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل

العظيم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: « أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة

وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين » رواه النسائي وأحمد .

وتأمل معي هذه العبارة الرائعة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل

( ت 513 هـ ) :

« إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان ، فلا تنظر إلى زحامهم في

أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء

الشريعة ، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفرًا ..

وعاشوا سنين ، وعظمت قبورهم ، واشتريت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة

الدين في القلب » [4] .

الولاء معناه المحبة والمودة والقرب ، والبراء هو البغض والعداوة والبعد ،

والولاء والبراء أمر قلبي في أصله .. لكن يظهر على اللسان والجوارح .. فالولاء

لا يكون إلا لله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين كما قال سبحانه:

[ إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا .. ] .. فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم

لإيمانهم ، ونصرتهم ، والإشفاق عليهم ، والنصح لهم ، والدعاء لهم ، والسلام عليهم ، وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم ومواساتهم وإعانتهم والسؤال عن أحوالهم ، وغير

ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء .

والبراءة من الكفار تكون: ببغضهم - دينًا - وعدم بدئهم بالسلام وعدم التذلل

لهم أو الإعجاب بهم ، والحذر من التشبه بهم ، وتحقيق مخالفتهم - شرعًا -

وجهادهم بالمال واللسان والسنان ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام [5]

وغير ذلك من مقتضيات البراءة منهم [6] .

أهل السنة يرحمون الخلق ويعرفون الحق ، فهم أحسن الناس للناس ، أذلة

على المؤمنين أعزة على الكافرين ، وهم في وئام تام ، وتعاطف وتناصح وإشفاق

كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ، حتى

قال أحد علمائهم وهو - أيوب السَّخِتْياني -: « إنه ليبلغني عن الرجل من أهل

السنة أنه مات ، فكأنما فقدت بعض أعضائي » [7] .

ولذا قال قوّام السنة إسماعيل الأصفهاني:( وعلى المرء محبة أهل السنة في

أي موضع كانوا رجاء محبة الله له ، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

يقول الله تعالى: « وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتلاقين

فيّ » رواه مالك وأحمد ، وعليه بغض أهل البدع في أي موضع كانوا حتى يكون ممن أحب في الله وأبغض في الله ) [8] .

ولا شك أن هذا الولاء فيما بين أهل السنة ، إنما هو بسبب وحدة منهجهم ،

واتحاد طريقتهم في التلقي والاستدلال ، والعقيدة والشريعة والسلوك ، ..

الكفار هم أعداؤنا قديمًا وحديثًا سواء كانوا كفارًا أصليين كاليهود والنصارى

أو مرتدين ، قال تعالى:[ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ

ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ] [آل عمران 28] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن

يوالوا الكفار وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ، ثم توعد

على ذلك فقال تعالى: [ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ] أي ومن يرتكب

نهي الله في هذا فهو بريء من الله ، كما قال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا

الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا .. ]

[النساء 144] ، وقال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى

أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ ] [9] .

فهذه حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، وهي أن الكفار دائمًا وأبدًا هم أعداؤنا

وخصومنًا .. كما قرر ذلك القرآن في أكثر من موضع ، فقد بين الله سبحانه وتعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت