هذه الحقيقة فقال سبحانه عنهم: [ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًاّ ولا ذِمَّةً .. ] ، وقال
تعالى:[ مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ولا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ
خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ .. ]، وقال سبحانه:[ ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ
بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم .. ]، هكذا حذر الله تعالى من الكفار:
[ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ] .. ولكي يطمئن قلبك .. فانظر إلى التاريخ في القديم والحديث .. وما فعله الكفار في الماضي وما يفعلونه في هذه الأيام ، وما قد سيفعلونه مستقبلًا .
ورحم الله ابن القيم عندما عقد فصلًا فقال: « فصل في سياق الآيات الدالة
على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم ، ومعاداة
الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاّهم أمر المسلمين » [10] .
إن الناس في ميزان الولاء والبراء على ثلاثة أصناف ، فأهل الإيمان
والصلاح يجب علينا أن نحبهم ونواليهم . وأهل الكفر والنفاق يجب بغضهم
والبراءة منهم ، وأما أصحاب الشائبتين ممن خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا ،
فالواجب أن نحبهم ونوليهم لما سهم من إيمان وتقوى وصلاح ، وفي الوقت نفسه
نبغضهم ونعاديهم لما تلبسوا به من معاصٍ وفجور . وذلك لأن الولاء والبراء من
الإيمان ، والإيمان عند أهل السنة ليس شيئًا واحدًالا يقبل التبعيض والتجزئة ،
فهو يتبعض لأنه شعب متعددة كما جاء في حديث الصحيحين في شعب الإيمان
( الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق ) ، والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة ، فإذا تقرر أن الإيمان شعب متعددة
ويقبل التجزئة ، فإنه يمكن اجتماع إيمان وكفر - غير ناقل عن الملة - في
الشخص الواحد ودليله قوله تعالى: [ وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا .. ]
فأثبت الله تعالى لهم وصف الإيمان ، مع أنهم متقاتلون ، وقتال المسلم كفر كما في
الحديث: « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » ، وفي الحديث الآخر يقول -صلى
الله عليه وسلم-: « لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض » ، فدل
ذلك على اجتماع الإيمان والكفر - الأصغر - في الشخص الواحد .
يقول ابن تيمية:
« أما أئمة السنة والجماعة ، فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم ، فيكون
مع الرجل بعض الإيمان ، لا كله ، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب
ما معه ، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه ، وولاية الله بحسب إيمان العبد
وتقواه ، فيكون مع العبد من ولاية الله بحسب ما معه من الإيمان والتقوى ، فإن
أولياء الله هم المؤمنون المتقون ، كما قال تعالى:[ أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ ]) [11] .
موالاة الكفار ذات شعب متعددة ، وصور متنوعة .. وكما قال الشيخ عبد
اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله -:
» مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة ، منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية .. ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات « [12] .
ويقول أيضًا:( ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة
والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها
مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة ، وقد يراد بها مطلق الحقيقة ، والأول هو الأصل
عند الأصوليين ، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية ، وإنما
يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة .. إلى أن قال: » فقوله تعالى:[ ومَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ .. ]قد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة ،
العامة .. ) [13] .
فمن شعب موالاة الكفار ، التي توجب الخروج من الملة ؛ مظاهرة المشركين
ومعاونتهم على المسلمين كما قال سبحانه: [ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ .. ]
[ البقرة: 102] .
ومنها عدم تكفير الكفار أو التوقف في كفرهم أو الشك فيه ، أو تصحيح
مذهبهم [14] .. فما بالك بحال من يدافع عنهم ويصفهم بأنهم إخواننا في
الإنسانية - إن كانوا ملاحدة أو وثنيين - أو ( أشقاؤنا ) - إن كانوا يهودًا أو
نصارى - فالجميع في زعمهم على ملة إبراهيم عليه السلام !
يقع خلط ولبس أحيانًا بين حسن المعاملة مع الكفار - غير الحربيين -
وبغض الكفار والبراءة منهم ، ويتعين معرفة الفرق بينهما ، فحسن التعامل معهم أمر ، وأما بغضهم وعداوتهم فأمر آخر ، وقد أجاد القرافي في ( الفروق ) عندما فرّق
بينهما قائلًا:
« اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله[ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا
تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ
الحَقِّ .. ]الآية ، فمنع الموالاة والتودد ، وقال في الآية الأخرى: [ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ .. ] فلا بد من الجمع بين هذه النصوص ، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب ، وأن التودد والموالاة منهي عنهما .. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا لهم ؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ودين الإسلام ، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة ، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه ، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع