والسلاح .. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على موادات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر ، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع ، وصار من قبل ما نهي عنه في الآية وغيرها ، ويتضح ذلك بالمثل ، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها ، هذا كله حرام ، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق ، وأخلينا لهم واسعها ورحبتها ... والسهل منها ، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد ، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه واحتقار أهله ، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادمًا ولا أجيرًا يؤمر عليه وينهى .. وأما ما أمر من برهم من غير مودة باطنية كالرفق بضعيفهم ، وإطعام جائعهم ، وإكساء عاريهم ، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ، واحتمال أذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا معهم لا خوفًا وتعظيمًا ، والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم .. فجميع ما نفعله معهم من ذلك لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم ، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا -صلى الله عليه وسلم- ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا ، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل ، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالًا لأمر ربنا .. » [15] .
وإن من أعظم ثمرات القيام بهذا الأصل: تحقيق أوثق عرى الايمان ، والفوز
بمرضاة الله الغفور الرحيم ، والنجاة من سخط الجبار جل جلاله ، كما قال سبحانه:
[ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا
اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ] [المائدة: 79-80] .
ومن ثمرات القيام بالولاء والبراء: السلامة من الفتن .. قال سبحانه:
[ والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ ] [ الأنفال: 73] .
يقول ابن كثير:( أي إن تجانبوا المشركين ، وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت
فتنة في الناس وهو التباس واختلاط المؤمنين بالكافرين ، فيقع بين الناس فساد
منتشر عريض طويل ) [16] .
ومن ثمرات تحقيق هذا الأصل: حصول النعم والخيرات في الدنيا ، والثناء
الحسن في الدارين ، كما قال أحد أهل العلم:( وتأمل قوله تعالى في حق إبراهيم
عليه السلام:[ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ ويَعْقُوبَ
وكُلًاّ جَعَلْنَا نَبِيًا * ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًا ]
[مريم: 50] ، فهذا ظاهر أن اعتزال الكفار سبب لهذه النعم كلها ولهذا الثناء
الجميل - إلى أن قال - فاعلم أن فرط اعتزال أعداء الله تعالى والتجنب عنهم صلاح الدنيا والآخرة بذلك ، يدل على ذلك قوله تعالى: [ ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ]
[ هود: 113] ) [17] .
وهذا أمر مشاهد معلوم ، فأعلام هذه الأمة ممن حققوا هذا الأصل قولًا وعملًا ، لا زلنا نترحم عليهم ، ونذكرهم بالخير ، ولا يزال لهم لسان صدق في العالمين ..
فضلًا عن نصر الله تعالى لهم والعاقبة لهم .. فانظر مثلًا إلى موقف الصديق -
رضي الله عنه- من المرتدين ومانعي الزكاة .. عندما حقق هذا الأصل فيهم ..
فنصره الله عليهم وأظهر الله تعالى بسببه الدين .. وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد
ابن حنبل -رحمه الله- يقف موقفًا شجاعًا أمام المبتدعة في فتنة القول بخلق
القرآن .. فلا يداهن ولا يتنازل .. فنصر الله به مذهب أهل السنة وأخزى المخالفين .. وهذا صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- يجاهد الصليبيين - تحقيقًا لهذا الأصل - فينصره الله تعالى عليهم ويكبت القوم الكافرين .. والأمثلة كثيرة ..
فيجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يحققوا هذا الأصل في أنفسهم اعتقادًا
وقولًا وعملًا ، وأن تقدم البرامج الجادة - للمدعوين - من أجل تحقيق عقيدة الولاء
والبراء ولوازمهما .. وذلك من خلال ربط الأمة بكتاب الله تعالى ، والسيرة النبوية ، وقراءة كتب التاريخ ، واستعراض تاريخ الصراع بين أهل الإيمان والكفر القديم
والحديث ، والكشف عن مكائد الأعداء ومكرهم ( المنظم ) في سبيل القضاء على
هذه الأمة ودينها ، والقيام بأنشطة عملية في سبيل تحقيق الولاء والبراء كالإنفاق في
سبيل الله ، والتواصل واللقاء مع الدعاة من أهل السنة في مختلف الأماكن ، ومتابعة
أخبارهم ونحو ذلك .
(1) د. معروف الدواليبي / انظر جريدة العالم الإسلامي بمكة عدد 1243 وانظر دور هيئة الأمم في إسقاط عقيدة الولاء في كتاب الجهاد للعلياني .
(2) من كتاب الإيمان ص 14 .
(3) من رسالته أوثق عرى الإيمان ص 38 .
(4) من الآداب الشرعية لابن مفلح 1/268 .
(5) يقول القاضي أبو يعلي: ( وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام المسلمين دون الكفر فهي دار الإسلام ، وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الاسلام فهي دار الكفر ) ، المعتمد في أصول الدين ص 276 .