ومثل هذا الصنف من الموالين للكافرين جدير بأن يحبط عمله، حري بالخسارة، ولهذا عقب بعدها بما يزيد خسارته وحبوط عمله بيانًا فذكر توعد المرتدين، وقرنه بذكر أبدالهم من المؤمنين، فخص وصفهم بضد ما ارتد به أولئك، فذكر موالاتهم للمؤمنين ومعاداتهم للكافرين، فقال ـ سبحانه وتعالى ـ بعدها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] ، ثم أكد هذا المعنى تارة أخرى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] ، فشرط للإيمان عدم اتخاذهم أولياء، وهذا بعمومه يشمل أصل الإيمان وكذلك الإيمان الواجب بحسب نوع الولاء ودوافعه، قال الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الإمام: «موالاتهم لأجل دنياهم، يجب عليها من التعزير بالهجر والأدب ونحوه ما يزجر أمثاله. وإن كانت الموالاة لأجل دينهم؛ فهو مثلهم، ومن أحب قومًا حشر معهم» (2) .
ولعل من نظر في آيات المائدة الآنفة وجد خمس تأكيدات جاءت في سياق واحد تدل على أن موالاة الكافرين خطر عظيم وشر مستطير، قد يؤول بصاحبه إلى الخسران المبين، وذلك إن كانت موالاة عامة، أو موالاة لأجل الدين.
ولعل ما سبق يبين بعض مكانة البراءة من الكافرين في نفوس المؤمنين الصادقين، وخطر الإخلال بها على الدين.
-ما تجب البراءة منه؟
البراءة من الكافرين تتضمن أمورًا. قال الله ـ تعالى ـ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فقد أمرنا الله أن نتأسى بإبراهيم والذين معه؛ إذ تبرؤوا من المشركين ومما يعبدونه من دون الله، وقال الخليل: {وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26 - 27] ، والبراءة ضد الولاية، وأصل البراءة البغض، وأصل الولاية الحب. وهذا لأن حقيقة التوحيد أن لا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله، فلا يحب إلاّ لله، ولا يبغض إلاّ لله» (3) .
والتأسي بإبراهيم والذين معه صرح فيه بذكر ثلاثة أمور:
الأول: التبرؤ من الكافرين ومما يعبدونه.
والثاني: الكفر بهم.
والثالث: إظهار العداوة وإعلانها أبدًا حتى يؤمنوا بالله وحده (1) .
-حكم التلطف واللين مع الكافرين:
لعل إشكالًا قد يقع في هذا؛ فبينما يغلو أناس فيحسبون بعض الأفعال المنطوية على لين وتلطُّف لا غضاضة فيها من الموالاة الموبقة؛ يتساهل آخرون فلا يرون بأسًا في أضرُب من اللين والتلطف اللذين هما من قبيل الموالاة المحرمة.