ولعل الذي يظهر هو أن الفعل المشتمل على تلطف مع الكافرين ولين لهم إما أن يكون لمقتض صحيح كدعوتهم، أو لكون المخاطَب قريبًا كأب وأم وأخ أو نحو ذلك، أو لا يكون، فإن كان المقتضي صحيحًا والغرض شرعيًا جاءت به النصوص؛ فلا إشكال فيه، بل قد يُندَب، بل قد يجب كما قال الله ـ تعالى ـ لموسى وهارون في شأن فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] ، وقال ـ تعالى ـ في الوالديْن المشركيْن: {وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] ، {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] ، وذلك بشرط عدم المحاربة لقوله ـ تعالى ـ: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8 - 9] ، قال البخاري في صحيحه: باب الهدية للمشركين وقول الله ـ تعالى ـ: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] . ثم أورد فيه حديث أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة؛ أفأصل أمي؟ قال: «نعم! صِلي أمك» (2) ، وأورد فيه كذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ابتعْ هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد.
فقال: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة» .
فأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلتَ ما قلتَ فيها؟
قال: «إني لم أكسُكَها لتلبسها؛ تبيعها أو تكسوها» .
فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسْلم (3) .
وأما إن لم يكن للتلطف واللين مقتضٍ صحيح يدفع إليه؛ فلعل الأصل فيه هو المنع؛ لأنه مظنة إخفاء العداوة المطلوب إظهارها، ولأن موالاة القوم ممنوعة، بيد أن هذا لا يمنع من البر والقسط.
-اجتماع إبداء العداوة مع البر والقسط:
إن إبداء العداوة لا يمنع من الصدق في معاملة الكافرين، وكذلك العدل معهم، والإحسان إليهم، طالما كانوا غير حربيين، لقول الله ـ تعالى ـ: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .
والحق أن هذه الآية محكمة والأمر كما قال شيخ المفسرين: «لا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح» (4) ، قال القرطبي: «وعلى هذا أكثر أهل التأويل» (1) ، وهذا لا يعارض ما تقدم من الأمر بإظهار العداوة لهم، وترك البِشْر والتلطف واللين، وإظهار التوقير لغير مقتضٍ صحيح؛ فليس من برهم في الآية ذلك، وليس من برهم كذلك الخنوع والتذلل لهم، أو الانبساط معهم، أو التودد إليهم، ونحو ذلك، ويظهر ذلك بتحرير معنى البر وأصله الذي يدور عليه في لغة العرب، أما إطلاقه فهو مجمل قد يحمله بعضهم على استخدامات لغوية صحيحة لكنها غير مرادة لبيان الأدلة الأخرى؛ فإنَّ لينَ الجانب وخفض الجناح وإطلاق الوجه والتودد لهم و «كل ما عده العرف تعظيمًا، وحسبه المسلمون موالاة فهو منهي عنه» (2) ، ما لم يقتضِهِ مقتضٍ شرعي دال على جوازه في ذلك المقام لمعنى ظاهر.
ولعل المراد بالبر في الآية ونحوها أصلُ وضعه اللغوي الذي يدور على الصدق (3) ، أو مطلق الإحسان؛ فالآية جاءت بصدقهم في المعاملة، والإحسان إليهم، والرفق بهم، والعدل معهم، ولا يخفى أن هذا يكون مع كلٍ بحسبه.