وقد دلت نصوص أخرى على جواز التصدُّق عليهم وصلتهم بالمال (4) ، فضلًا عن النفقة على من وجبت النفقة عليه منهم (5) . وقد حمل بعض أهل العلم قول الله ـ تعالى ـ: {وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ} في هذه الآية على ذلك المعنى لا مطلق العدل؛ إذ العدل مفروض مع الكل، فقالوا: تقسطوا إليهم: تعطوهم قسطًا من أموالكم (6) . ولعل حمله على العدل أجود؛ فهو أشمل معنى يدخل فيه ما ذكروا من أوجه البذل والإنفاق، كما أن للتذكير بالعدل ههنا مغزى؛ فكأنه ينبه على أهمية التزامه عند الإفضاء إليهم والتعامل معهم فلا يدفع الأمر بالبر إلى تجاوز حد الإنصاف، ولا طبيعة العداوة الدافعة إلى شيء من البغي إلى تخطي العدل «فلا تغلوا في مقاربتهم ولا تسرفوا في مباعدتهم» (7) . ولما كان التنبيه إلى تحري العدل حال التعامل معهم مرادًا لما تعتري تلك الحال من عوارض قد تصرف عنه نظرًا لواقع العداوة، عدَّى القسط بإلى والأصل أن يعدَّى باللام، أو يقال: القسط مع الناس لا إليهم، ولعل النكتة تأكيد تحري العدل حال التعامل بتضمين الفعل معنى الإفضاء إليهم (8) .
وإذا علم أن البر يختلف من إنسان إلى آخر بحسبه، فالبر المفروض للوالد غير المأمور به مع عامة الناس، والإحسان المتوجب تجاهه غير الإحسان المندوب إليه مع سائر الناس. ومن تأمل حال إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع أبيه لحظ ذلك؛ فلم يكن إظهاره العداوة مانعًا له من بر أبيه، فما فتئ يدعوه بذلك النداء الحاني: (يا أبتِ!) ويظهر شفقته وخوفه عليه، وما استثنى القرآن من الأمر بالاتِّساء به في ذلك شيئًا إلاّ قوله: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] .
ومما مضى يظهر وجه الجمع بين الأمر بإبداء عداوة القوم مع الأمر بالبر والقسط؛ فبر الكفار والعدل معهم والإحسان إليهم معنى واسع يختلف مع كل كافر بحسبه، وقد يشمل ذلك ترك إبداء عداوتهم، وقد لا يشمل ذلك؛ فكم من مقسط يحسن إلى عدوه بإعطائه ما يجب له على أتم الأوجه وأكملها، فضلًا عن أن يغمطه قدره أو يبخسه حقه، بل يصدق معه ويعدل. وليس من لازم الإحسان إخفاء العداوة فضلًا عن زوالها، بل ليس من لازمه ترك القتل إذا لزم القتل شرعًا؛ ففي حديث شداد بن أوس عند مسلم: ثنتان حفظتهما عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته» (1) .
وقد نبه إلى شيء من هذا الإمام ابن القيم فقال: «فإن الله ـ سبحانه ـ لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفارَ أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم، توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة؛ فبين الله ـ سبحانه ـ أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة» (2) ، وذلك لأن المودة من الموالاة ولو كان الكافر ذا رحم قريبة، وقد تكون ذنبًا ينقص به الإيمان، وقد تصل إلى حد الكفر الأكبر، بحسب دافعها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد تحصل للرجل موادَّتُهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي، وأنزل الله فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] » (3) .
فأخطأ من ظن أن الإحسان أو العدل أو الرفق أو البر يمنع من أن تكون العداوة بادية معروفة، وأخطأ من ظن أنه يستلزم المودة المنهي عنها، ولعل تلك واحدة من نكت التعقيب بهذه الآية بعد انتهاء سياق قوله ـ تعالى ـ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] ، وما تعلق بها مما جاء بعدها، ثم قال: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: 8] الآية، فجاء هذا التعقيب البديع مشيرًا إلى ما قدم.