وكما يخطئ بعضهم فيظن أن من لازم الإحسان المودة، يغلط آخرون فيظنون أن من لازم إبداء العداوة العبوس وتقطيب الجبين ومَطُّ الشفة عند رؤية كل كافر، أو عند سماعه، وليس ذلك كذلك حتى في حق الحربي، بل المراد أن تكون العداوة بين فئة المسلمين وفئة المشركين ظاهرة غير خفية، وهذا لا يلزم منه ما سبق طالما كانت العداوة معلنة صريحة معروفة، بل لا يلزم من إبداء العداوة ترك التبسم بل الضحك إذا صدر عن أحدهم ما يقتضيه إن كان حقًا، ولهذا ضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- تصديقًا لقول الحَبْر، كما في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قال: «جاء حَْبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا محمد! إنَّا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] » (4) ، ومن تأمل السِّيَر وجد لهذا نظائر، كما لا يلزم من البر والقسط ترك الغضب والانتقام إذا بدر من أحدهم ما يقتضيه.
هذا والله أسأل أن يجعلنا سِلْمًا لأوليائه، حربًا على أعدائه، نحب بحبه من أحبه، ونعادي بعداوته من عاداه، كما أسأله أن يرزقنا دينًا وَسُوطًا، لا ذاهبًا شطوطًا، ولا هابطًا هبوطًا، كما رضيه وأنزله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1) روي المعنى مرفوعًا عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس، وابن مسعود، والبراء بن عازب، رضي الله عنهم، وقد حسنه الألباني. ينظر تخريجه في السلسلة الصحيحة 2/698 ـ 700 (998) ، 4/306 ـ 307 (1728) .
(2) ما بين المعقوفين مقحم للتوضيح.
(3) يعني القرآن ـ عليه من الله ما يستحق ـ وقد وضع كتابًا أسماه (الدامغ) يرد به على القرآن وقد ساق ابن الجوزي في تجرمته من المنتظم شيئًا من ذلك ورد عليه، قال: «وقد ذكر في كتاب (الدامغ) من الكفر أشياء تقشعر منها الجلود، غير أني آثرت أن أذكر منها طرفًا ليعرف مكان هذا الملحد من الكفر، ويستعاذ بالله ـ سبحانه ـ من الخذلان!» . (المنتظم 6/21) .
(4) وقد أورد له ابن الجوزي ومن بعده ابن كثير طائفة من الأبيات التي لايمكن أن يعتذر له فيها إلاّ بزعم التوبة بعدها، انظر البداية والنهاية ترجمته 12/74 وما بعدها.
(5) الآداب الشرعية، لابن مفلح 1/237.
(1) نقله عنه تلميذه ابن الجوزي في المنتظم 6/100.
(2) كتاب الإيمان الكبير له، بتحقيق الألباني، ص17 ـ 18، وهو في المجموع 7/17.
(3) وذلك للأدلة الدالة على أن بعض الموالاة لا ترقى لحد الكفر وليس موضوع المقال يتناولها.
(4) ص10 وما بعدها، وهو في المجموع 7/14 وما بعدها.
(5) حديث عبادة بن الصامت، وهذا لفظ مسلم 1/295 (294) ، وهو عند البخاري بلفظ: (فاتحة الكتاب) 1/263 (723) .
(6) حديث أنس عند أحمد 3/135 (12406) ، ومواضع من المسند، وهو حديث حسن خرجه ابن خزيمة في صحيحه 4/51 (2335) ، وابن حبان 1/422 (194) ، وغيرهم.
(7) السابق ص 15.
(8) الفتاوى 7/194.
(9) تفسير ابن جرير 4/615.
(10) ينظر تفسير ابن كثير للآية 2/94.
(1) ينظر إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لأبي السعود، تفسير الآية، 3/48.
(2) الدرر السنية 8/160 القسم الأول من كتاب الجهاد، فصل في التنبيه على حاصل ما تقدم (في حكم موالاة المشركين) ، وممن بين هذا المعنى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن تراجع الدرر السنية 1/472 واستدل له بأثر حاطب بن أبي بلتعة المشهور، ولعله تبع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد ذكره في الفتاوى 7/523.
(3) الفتاوى 10/465.
(1) ينظر في هذا المعنى (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن) لمحمد الأمين الشنقيطي، تفسير الآية 8/93، والكلام للشيخ عطية سالم ـ رحمه الله ـ ضمن تتمته المرفقة بالأضواء.
(2) ينظر الصحيح 2/924 (2477) ، وقد رواه في غير موضع، وهو متفق عليه. ينظر صحيح مسلم 2/696 (1003) .
(3) صحيح البخاري 2/924 (2476) وقد رواه قبلها في مواضع، والأثر متفق عليه. ينظر صحيح مسلم 3/1638 (2068) . والأخ هو عثمان بن حكيم من أمه خيثمة بنت هشام بن المغيرة.
(4) هو قول ابن جرير في تفسيره 12/62 عند تفسير الآية.
(1) تفسير القرطبي للآية 18/53.
(2) من كلام للألوسي يتعقب فيه فتوى من أفتى بجواز القيام لهم في المجالس، وهو في تفسيره روح المعاني 3/120 عند كلامه عن آية آل عمران: 28 {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] .
(3) ينظر في أصل المادة معجم مقاييس اللغة لابن فارس.
(4) ومعلوم أن في كل كبد رطبة أجرًا، بيد أن المؤمنين إلى ذلك أحوج وهم به أوْلى، والمراد بيان حكم عام جاء موضعه هنا.
(5) ينظر بحث المسألة في زاد المعاد للإمام ابن القيم 5/483.
(6) ذهب إليه ابن العربي، قال: « (وتقسطوا إليهم) أي تعطوهم قسطًا من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به من العدل؛ فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل» ينظر أحكام القرآن له 4/193 عند تفسير الآية، وتبعه القرطبي في تفسيره 18/53.
(7) نقل هذا الأخير الماوردي عن ابن حبان. ينظر النكت والعيون 5/520.