فلما كَثُرَ الإسلام، وتألفت القلوب اختلط العجم والعرب بالمعاشرة والمناكحة فتولد اللحن والإمالة في غير محلها حتى كادت العربية أن تتلاشى فرسم الإمام علي لأبي الأسود منه أبوابًا. منها: باب أن والإضافة والإمالة وقال له: نَحِّ هذا النَّحْوَ، ثم سمع أبو الأسود رجلًا يقرأ: إنَّ الله بَريءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
(التوبة: 3)
بالجر فوضع باب العطف والنعت، ثم إنَّ ابنته قالت له يومًا: ما أَحَسْنُ السَّمَاءِ على الاستفهام فقال لها: أي بُنَيَّةُ نجومها فقالت: إنما أتعجب من حسنها فقال: قولي ما أَحْسَنَ السَّمَاءَ وافتحي فاك. فوضع باب التعجب والاستفهام، وكان يراجع الإمام في ذلك إلى أن حصل له ما فيه الكفاية، ثم أخذه عن أبي الأسود نفر منهم ميمون الأقرن وغيره، ثم خلفهم جماعة منهم أبو عمرو بن العلاء، ثم بعدهم الخليل ثم سيبويه والكسائي، ثم صار الناس فريقين، بصري وكوفي، وما زالوا يتداولونه ويُحْكِمُونَ تدوينه إلى الآن فجزاهم الله الجنة.
قوله: (بها محويه) أي فيها من ظرفية المدلول في الدال لأن الألفية اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة، والمقاصد هي تلك المعاني أو أن الباء سببية وصلة محوية محذوفة. أي محوية لمتعاطيها بسببها، وأصلها محووية كمفعولة قلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء، وأدغمت فيها وكسرت الواو للمناسبة.
قوله: (تُقَرِّبُ الأَقْصَى) فيه مجاز عقلي من الإسناد للسبب العادي إذ المُقَرِّب حقيقةً هو الله تعالى، والأقصى بمعنى القاصي أي البعيد. فأفعل التفضيل على غير بابه كما قاله ابن الناظم ليدل على تقريب البعيد، وإلا بَعُدَ بالمطابقة لأن البعد يطلق على القليل والكثير، وما قيل إنه يلزم من تقريب الأَبْعَدِ تقريب البعيد، رد بأنه قد يهتم بالأبعد لشدة خفائه دون البعيد.