فهرس الكتاب

الصفحة 774 من 3359

والكفر والمعاصي ليس بخارج من تلك الظلمات وهو أبو جهل1 والجواب لا، إذًا كيف أطاع المشركون أبا جهل وعصوا عمر رضي الله عنه والجواب: أن الكافرين لظلمة نفوسهم وإتباع أهوائهم لا عقول لهم زُين لهم عملهم الباطل حسب سنة الله تعالى في أن من أحب شيئًا وغالى في حبه على غير هدى ولا بصيرة يصبح في نظره زيّنًا وهو شيْن وحسنًا وهو قبيح، فلذا قال تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها2 ليمكروا فيها} فيهلكوا أيضًا. وقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} هو كما قال: قوله الحق وله الملك، فالماكر من أكابر المجرمين حيث أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم وصرفوهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولكنهم لا يشعرون أي لا يدرون3 ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم، وقوله تعالى في الآية الثالثة (124) {وإذا جاءتهم4 آية..} أي حجة عقلية مما تحمله آيات القرآن تدعوهم إلى تصديق الرسول والإيمان بما جاء به ويدعو إليه من التوحيد بدل أن يؤمنوا {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى5 مثل ما أوتي رسل الله} أي من المعجزات كعصا موسى وطير عيسى الذي نفخ فيه فكان طائرًا بإذن الله فرد الله تعالى عليهم هذا العلو والتكبر قائلًا: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} فإنه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة، وقوله تعالى {سيصيب الذين أجرموا} على أنفسهم بالشرك والمعاصي وعلى غيرهم حيث أفسدوا قلوبهم وعقولهم، {صغار6} : أي ذل وهوان {عند الله} يوم يلقونه {وعذاب شديد} قاس لا يطاق {بما كانوا يمكرون} : أي بالناس بتضليلهم وإفساد قلوبهم وعقولهم بالشرك والمعاصي التي كانوا

1 الآية عامة في كل كافر ومؤمن والموت قد يطلق أيضًا على الجهل. فالجاهل ميت وحياته بالعلم كما قال الشاعر:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور

وإن امرؤًا لم يحيى بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور

2 في الآية تقديم وتأخير. الأصل جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها والأكابر جمع أكبر وهم الرؤساء والعظماء وخصوا بالذكر لأنهم أقدر على الفساد والإفساد من عامة الناس.

3 وذلك لفرط جهلهم لا يعلمون أن وبال مكرهم عائد عليهم.

4 في الآية شيء من بيان جهلهم وعملهم.

5 هذه مقالة بعضهم قال الوليد بن المغيرة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو كانت النبوة حقًا لكنت أولى بها منك لأني أكبر سنًا وأكثر منك مالًا. وقال أبو جهل: والله لا نرضى به أبدًا ولا نتبعه إلاَّ أن يأتينا وحي كما يأتيه.

6 الصغار من الصغر ضد الكبر كأن الذل يُصغر إلى المرء نفسَه والفعل صغر يصغر من باب نَصر، وصغِر يصغر من باب علم يعلم. والمصدر الصغر بفتح الصاد والغين معًا والصغار الاسم واسم الفاعل صاغر وهو الراضي بالضيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت