الشهادة العليا تخطفتنا الأيدي إلى العمل الحكومي، فولجناه نشيطين جادين. فكان منا المعلمون والأطباء والمهندسون ورجال القضاء، الذين ملئوا دواوين الحكومة بأعمالهم ولم يجد العمل الحر سبيلًا إليهم، وبالرغم مما لقيناه من تكريم فقد بقيت في نفوسنا للمدرسة مرارتها، ودامت فيها ذكريات ضغطها وشدتها. ولكن ذلك كله هان بجانب ما أوصلتنا إليه من نتيجة طيبة. فتلخص في سهولة الحصول على وظيفة حكومية
عملت بين جدران المدارس بعد ذلك زمنًا طويلا كنت أحس فيه أن المدارس التي عملت فيها تلميذًا والتي عملت فيها مدرسًا والتي عملت فيها ناظرًا لم ينلها شيء محسوس من التغير ولم يتطرق إلى روحها شيء من التجديد أو التبديل، فهي لازالت تسير على نفس الوتيرة القديمة، مليئة بنفس الروح القديمة، يحس تلميذها إذا ما دخلها بانقطاعه عن العالم وما فيه إلى شبه سجن غير محبوب إن لم يوصف بأنه مكروه، ولكن الجميع ظلوا يكبتون عواطفهم إزاءها لما تجلبه من خير الوظيفة إلى طلابها بعد نيل شهادتها، وظلت المغريات القديمة تدفع الناس دفعًا للسعي إليها
وبدأت بعد ذلك تظهر مشكلة المتعطلين من المتعلمين بعد أن امتلأت الدواوين بالموظفين وكنت قد تبينت بالبحث حالة المدارس في البلاد الأخرى، وما تسير عليه من أنماط وأساليب، تغاير ما نسير عليه في مدارسنا فرفعت بعض التقارير إلى وزراء المعارف في نقدها مبينًا عيوبها، واستمر ضغط حملة الشهادات على الدواوين حتى اكتظت بهم، وأصبحت المدرسة لا تجد سبيلًا لتصريف الخريجين من أبنائها، مما اضطربت له أفئدة المسئولين. وأخذ ألم المتعطلين يحز في نفوسهم ونفوس أهلهم، ويثبط من همم الناشئين المتعطلين، ويضغط في الوقت نفسه على الحكومة ورجالها ضغطًا شديدًا. ثم أخذ الحال يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. أما المدرسة التي كنا نتحمل قديمًا شدتها، ونخضع لما فيها من ضغط وإكراه، في سبيل غرضها الأسمى، فقد أصبحت اليوم لا غرض لها إليه إذ أحس كل من فيها بزوال غرضها القديم الذي كانت تتجه بكليتها إليه، هذا فوق شذوذها عن الطريق السوي لبعدها عن الحياة وما يجري فيها. وهكذا ساءت الحالة إلى مدى بعيد بين جدران المدارس نفسها، فأنحط مستوى التعليم كما انحطت الأخلاق فيها؛ ذلك إلى العطل الذي ضرب إطنابه بين خريجيها مما أصبح خطره يهدد المجتمع في نظامه وحياته، ذلك