يعتمد على الاستعداد العقلي وحده؟ وهل يؤتمن التفوق الذهني؟ كلا. اللهم إلا إذا رافقهما الحق فهو الخلة التي تضمن لصاحبها التبجيل والتعظيم، وتحمل غيره على الثقة به، وهو أساس كل فضيلة، ويظهر في معاملة المرء وسلوكه، وهو الاستقامة والإخلاص في العمل وله نور يسطع في كل قول وفعل، هو الباعث على ثقة المرء بنفسه والحامل للناس على الثقة به، والمرء ذو المكانة في العالم هو الذي يصح الاعتماد عليه، هو الذي إذا قال إن له علمًا بشيء كان عالمًا به حقًا، وهو الذي إذا قال إني فاعل شيئًا قبله حقًا، وهكذا يحصل الواثق بنفسه على ثقة الناس به واعترافهم بقيمته) وقال مرتن لوثر: (ليست سعادة الأمم في كثرة أموالها؛ ولا في قوة استحكاماتها، ولا في جمال مبانيها وشاهق قصورها، إنما سعادتها في أبنائها المثقفين ورجالها المهذبين الذين استنارت بصائرهم واستقامت أخلاقهم، فهؤلاء قوتها الأساسية وعظمتها الجوهرية) فهل بعد هذا كله يحق للمدرسة أن توجه كل جهودها إلى الثقافة ودراسة ما في بطون الكتب إعدادًا للامتحان من غير أن تكترث بمادة الحياة الأساسية وهي الأخلاق؟ وهل بعد هذا ننتظر من خريجي مدارسنا أن يقوموا على العمل، وأن يسيروا في حياتهم السيرة الحميدة المطلوبة وقد أهملتهم هذا الإهمال
إهمال المدرسة للأخلاق ونتائجه
وإني لا أستطيع أن أفسر إهمال المدرسة في تقوية أخلاق النشء والعمل على تكوينهم تكوينًا خلقيًا عاليًا إلا بأمور ثلاثة:
الأول: اندفاع المدرسة في تيار السياسة التعليمية التي رسمت لها عمليًا من قبل وجعل النجاح في الامتحان في نهاية العام الدراسي هو الغاية التي ليس وراءها غاية من غير أن يفكر ولاة الأمور وقادة التعليم فينا تفكيرًا جديًا عميقًا فيما يستدعيه الإصلاح الحقيقي للمدرسة وما يتناسب مع نهضتنا الجديدة وقوميتنا
الثاني: صعوبة ما يستدعيه العلاج الخلقي المدرسي من درس وفحص وتمحيص وما يستلزمه من مرونة في العمل وعدم الوقوف عند الخطة الآلية التي تسير عليها المدرسة الحالية من حيث قياس الأعمال بالدرجات في الامتحانات ونتائجها. وما يستدعيه فوق ذلك من السلطة المركزية من الديوان العام إلى أيدي المشرفين الفعليين على المدارس. وهو الأمر الذي لازال يقاوم إلى اليوم