قال البرقوقي: (ولكني لا أجد عندي ما أرويه عن الإمام؛ لقد ترك الشيخ في نفسي أثره ولكنه لم يترك في ذاكرتي من حديثه ومجالسه شيئًا يستحق الرواية!)
قال الرافعي: (. . . . ولابد من ذكر شيء عنه في البيان؟)
قال: (بلى، وإلا غلبني رشيد رضا واستطال عليّ عند قراه بأنه هو وحده تلميذ الإمام وراويه!)
وضحك الرافعي وأطرق هنيهة، ثم تناول قلمًا وورقة وكتب. . .
وصدر العد الأول من مجلة البيان، وفيه حديث يرويه البرقوقي عن الشيخ محمد عبده في مجلس من مجالس درسه؛ بأسلوب من أسلوبه وروح من روحه وبيان في مثل بيانه؛ وما قال المرحوم الإمام شيئًا من ذلك ولا تحدث به، ولكنه حديث مصنوع وضعه الرافعي على لسان الأستاذ الإمام ونشره البرقوقي ليقضي لبانة في نفسه. . .
.. . ألقى إليَّ الرافعي هذا الحديث ساخرًا، ثم دفع إليّ العدد الأول من مجلة البيان وهو يقول: (أقرأ؛ أترى هذا الحديث من مهارة السبك بحيث يجوز على القراء أنه من حديث الأستاذ الإمام؟)
وضحكْتُ وضحك الرافعي وعاد يقول: (ولكن تمام الفكاهة أن السيد رشيد رضا لما قرأ هذا الحديث المصنوع، التفت إلى جلساته قائلًا:(وأي حديث هذا حتى يبدأ به البرقوقي مجلته؟ لقد كنت حاضرًا مجلس الشيخ، وسمعت منه هذا الحديث، ولكني لم أجد له من القيمة الأدبية ما يحملني على روايته. . .!)
.. . . واستمرّ هذا (التعاون) أيضًا بين الرافعي والبرقوقي طول المدة التي كنت تصدر فيها مجلة البيان، فأيّ مقال قرأت من أعداد هذه المجلة فشككت في نسبته إلى مُذَيَّله بأسمه، فاحمله على أنه مما كتب الرافعي من الأدب المنحول. . .
ويدخل في هذا الباب كثير من المقالات كان الرافعي يكتبها بأسماء طائفة من ناشئة المتأدبين؛ ليدفع عن نفسه في معركة، أو يدعو إلى نفسه لمغنم، أو ليعين صاحبًا على العيش، أو ليوحي إلى (صاحب الإمضاء) إيحاءً يدفعه إلى الاستمرار في الأدب والأمل في أن يكون غدًا من الكتاب المشهورين. . . وليس يعنيني في هذه الناحية أن أسمي أحدًا أو أشير إليه، إذ كان الذي كتبه من ذلك ليس له من القيمة الأدبية ما يدعونا إلى الحرص على