عنا - وكانت هذه علة رجائها - نعم! ما أراه إلا فاعلًا ذلك. . . نعم سيغفر لنا ويصفح عنا. . .) ثم استدارت نحو الشيخ النبيل وقالت له:
- (أبتاه! أخليق بك أن تجعل للخوف والشك في صدر ابنتك موضعًا ومجالًا؟ أخليق بك أن تدعَ الرعب يلاطم الأمل في فؤادي، وتترك الريب يزاحم الثقة في قلبي؟ أبتاه! اصنع بابنتك ما تشاء واعف عن هذا الغلام، فأنا التي أمَّنته وشجعته على هذا اللقاء!)
ولكن البارون الشيخ وقف ثابت الركن شامخ الأنف، أصيد مهيبًا، وقور الجانب، محصن النفس من كل ما عساه يهجم على القلب من دواعي الحنان وعوامل الرحمة. وكان عدا ذلك المظهر قوي الصوت، سديد النظر، ساكن الأوصال - وهي علائم ضمير ليس بالساكن ولا الهادئ - وكذلك جعل يرنو إلى ابنته ولا يجيبها، ثم التفت إلى آشلي وكان الدم في وجنة الفتى يذهب ويجيء، وقد قام متأهبًا للحملة على من عسى يلي دعوة الشيخ من خوله وجنوده وعسسه وأحراسه. وكانوا جميعًا أشداء ذوي بأس وأسر متين
وقال البارون كرة أخرى: ضع سيفك يا غلام، فقال الفتى: لا! مادام هذا الساعد مطلقًا! فابيضت وجنة الشيخ، لا رهبة ولا فزعًا، ثم استخرج من نطاقه مسدسًا فقال: (على رأسك إذن دمك!) ثم أقبل يتأمل الزناد فألفاه صالحًا حديث العهد بالقدح. . . وبعد ذلك أقبل يُهيئه للرمية القاضية. . . وكان لتلك التهيئة صليل يخشى وقعه في الأذن وهو نذير الردى. تهيأ الشيخ للإطلاق، ولو أطلق لوقف شيئين معًا: حياة اللورد الشاب عاشق كريمته، وبراعة المؤرخ، كاتب هذه الأسطر، ولختم شيئين معًا: عمر الفتى وقصتنا التاريخية، ولكن هيلدا وهي أشد من أبيها عنادًا وأنفذ صرامةً وأصعب شكيمة، ألقت بنفسها دون الغلام وصاحت:
(إذن إلى كبدي فلتسددن سهمك أو قذيفتك النارية، فتلتقي جذوتان!. فإنها خطيئتي لا خطيئته، وما كان مجيئه هذا القصر عمدًا، وإنما طوح به إليه القدر، بعد المعركة التي خرجت منها ظافرًا، وأوردته صروف الزمان. وقد أعطيته ذمتي وعهدي، وما كنت قط للعهد بخافرة ولا للوعد بمخلفة. وإني لأحبه فوق ذلك، وأفديه بنفسي وأقيه بمهجتي. . . إنني يا والدي أعرف صرامتك، وأردت أن أعرفك صرامة ابنتك، وإن وراثتنا لا تكذب، والدم الذي يجري في عروقك وعروقي لا يخون!)
لقد كانت الفتاة منذ لحظة كلها رحمة ورقة ولين وطفولة بريئة ونعومة طاهرة، ساجية