وتهدئة نومه. وإذا فاتهن اليومَ أن يأكلن الهنيء، ويلبسن الناعم، ويجلون حسنهن للأتراب والخطاب في شارع البحر بالمنصورة، فسيعوضهن الله غدًا بفضل أخيهن الموظف خيرًا من كل أولئك في القاهرة.
وكانت الأم تبيع في كل سنة من سِنِي دراسة ولدها فدانًا من أرضها، تنفق نصفه على المدرسة ونصفه على البيت حتى خرج هو من كلية (حقوقه) ، وخرجت هي من كل حقوقها.
أصبحت الأسرة الفقيرة مُعدمة: فلا في الأرض ولا في البيت ولا في اليد. فهي تعيش على ما يبقى من مرتب أملها وكاسبها (فؤاد) ، فقد وظف بأحد مراكز طنطا وعاش وحده. وظل الأبوان الشيخان والبنات النواهد في المنصورة على ضيق وقلق ينتظرون اتساع الرزق وامتداد الجاه فيجتمع الشمل ويرفُه العيش.
أتدرين يا آنستي بماذا أجاب القدر دعاء هذه الأسرة، وعمَّ أسفر الأمل في هذا الولد؟
كان فؤاد رقيق البدن والشعور والعقل، فأغرم بالأدب، وفُتن بالجمال، وكلِف بالرُّواء. وحياة الأقاليم لا تقضي حاجة النفس النزاعة الرغيبة من كل ذلك. فكان في مكان عمله بالنهار، وفي مجالي القاهرة بالليل، حتى افتتن بمطربة معروفة، فاضطرب أمره وانتكس حاله.
كان فؤاد عُذْري الهوى، لأن حياءه أقوى من طموحه، وشاعريته اشد من شهوته. وهو إلى ذلك فقير، ومعبودته من ذوات الثراء والمجد، فلا يدخل قصرها إلا غني أو فنان أو مهرِّج. فكان يقنع بالجلوس أمام تختها إذا غنت، وبالطواف حول بيتها إذا استراحت، حتى خبَله العشق وأضناه السهر. وبان أثر ذلك في عمله، فغاب طويلًا عن مكتبه، وأخطأ كثيرًا في تصرفه، واختلف دائمًا مع رئيسه؛ فانتهى الأمر وهو لا يزال في عهد التجربة بفصله!
لم يشعر فؤاد بهذه الصدمة الصاعقة كما شعر بها أهله؛ فإن حياته كانت في الحب، وحياة أهله كانت في الوظيفة. فلما انجلت غشاوة الهوى قليلًا عن عينيه رأى نفسه خاليًا من العمل والأمل، يُزجي فراغه الثقيل الذليل بالهيام في الطرقات، والنظر في (الفترينات) ، والاختلاف إلى (الصالونات) ، والوقوف بباب المطربة أكثر النهار والليل، يحادث الخدم، ويرقب الزوَّار، ويرصد السيارة الحبيبة حين تذهب وحين تؤوب.
وأسرع إليه أبوه على كبره ووهنه يستكشف سر النكبة ويعالج مقطوع الرجاء، فوجده نفسًا