ووجوب خدمة الإنسانية بأسرع ما يستطيع وبكل ما يملك من عقل وخلق وإرادة. كان جائعًا طريدًا معدمًا مدقعًا، ولكنه كان مفكرًا وثائرًا وحائرًا، فلم يقف جوعه في طريق عقله، لأنه كان يشعر بامتلائه بما قرأ وما رأي وما سمع، وكان يبغض من أعماق قلبه منظر الآلام وأخبار الشقاء وترديد أنَّات التوجع، لأن حسه المرهف لم يطق تحملها، فما باله بالسخرية تصدر عن القوي من الضعيف والحاكم من المحكوم، والغني من الفقير، وبالاعتداء والتعذيب وإهراق الدماء. كان إذا قضت عليه الأحوال برؤية لون ما ألوان الأسى يحزن ثم يغضب ثم يثور، فإذا لم يجد من يشفي غليله انهال على نفسه ضربًا كنا يضرب الفلاح حماره. وقد أضرت به الفاقة فتعلق بأهداب الموت، ولكنه اتصل بتولستوي عن طريق كتبه وتلاميذه. وأخذ يكتب في نصف العقد الثالث حوالي سنة 1893 فاكتشفه كورلنكو فتبناه وأعانه. وكورلنكور من أكبر كتاب روسيا، غير أنه راح فريسة قسيس روسي خبيث حبب إليه الآخرة وقبح له الأدب والفن فأحرق مخطوطاته في باريس إرضاء لرجل الدين الذي تكشف عن جاسوس قيصري دسته عليه الحكومة لتسلب شعوره وتتركه لعبة في أيدي رجال الخفية. بيد أن جوركي أدرك كورلنكو قبل أن يصيبه الخبال فجنى من ثمار نبوغه وترسم خطاه في التحرر من قيود البيان وتبع المدرسة الجديدة التي تجعل للمعاني المكان الأول من ذهن الكاتب. وفتح له كورلنكو مغاليق الصحافة الأدبية. فأشتهر كتابه الأول في ختام الثلاثين من عمره ولم يكف عن التأليف والنشر بعد ذلك ثلاثين عامًا. ولم يخلع مكسيم جوركي ثياب الفلاحين ولم يبدل من طريقة عيشتهم. وكان وجهه بتقاطيعه وتقاسيمه الموجيكية يسحبه إلى الفطرة الروسية سحبًا. ولا عجب ولا غرابة فقد كان جزءًا من تلك الخليقة الموسكوفية والسليقة السلافية أشبه الرجال بليو تولستوي. يقول شاليابين: (إلى تلك الفترة ترجع تلك اللوحة الزيتية العجيبة التي أنتجتها مواهب صديقه ريبين، فقد صور جوركي في بذلة فلاح مديد القامة بارز الوجنتين صغير الذقن قصير الأنف غزير الشعر أشعث المظهر. . . تمثالًا حيًا وصورة ناطقة لفتى الريف الروسي في أذكى هيأته وأنبلها. فلله در ريبين الذي خلد ببراعته صورة صاحبه. وكان تسلق جوركي سلم الصيت سريعًا. وقد بَذَّ في صعوده الأمجاد من أمثال تولستوي وجوجول وتورغنيف. وتعليل ذلك أنه نال من نفوس الشعب، فأحبه وعطف عليه، ووثق من مقاصده، وكأنه رآه يخلق