ويصنع على عين أمته فلم يكن شيء من حياته خافيًا. وكانت الأفئدة مستعدة لتسلم هذا الأثر، ولا سيما أفئدة العمال والصناع الذين ما زجهم جوركي وخالطهم واتصل بهم وعمل على تحريرهم من قيود الفقر والظلم القيصري، ولم يخجل من ذكر حوادث ماضيه واختلاطه أحيانًا بالنساء البائسات في حوانيت أو مخازن أو خرائب مهجورة أو على شواطئ البحر وضفاف الأنهار. لأن هذا الذي سمَّاه (الفريسيون) وصغار البورجوازين سقوطا، لم يكن إلا تساميًا عن طريق الألم فكان أحيانًا يفكر في حظ الإنسان ومستقبل الحضارة ويحدث نفسه بإحداث أعظم أثر في المجتمع، وهو لاصق إلى فتاة مسكينة تُعد منبوذة في حكم النظام الاجتماعي. وكان شاليابين ولينين من الأصدقاء الذين اتصلوا به في أوربا الغربية حين نزْح إليها منذ ثلاثين عامًا. وعندما حكمت محكمة بطرسبرج على جوركي بالسجن لاشتراكه في مظاهرة البوب جابون احتج تولستوي بخطاب مفتوح إلى القيصر وانضم إليه مفكرون فرنسيون وإنجليز. ونشر في ضحى هذا القرن ذكريات طفولته تقليدًا لتولستوي الذي فعل ذلك وكان كلاهما مخلصًا في وصف هذه الفترة من حياته. وكان صدر جوركي ضعيفًا فألزمه الأطباء جزيرة كابري فقصد إليها ولم يكن له زوج وأولاد يرعونه، فإن حياته الأولى في ظلال الشقوة والقلق والفلاكة عدلت به عن اتباع طريق العادة. ولعل تعففه عن النساء في أواسط عمره مكَّن له من مقاومة داء الصدر الوبيل الذي أصيب به في أوائل شبابه، فنفض عن كاهليه غبار المرض في جو تلك الجزيرة الصاحية الضاحكة ذات الألوان البهيجة والظلال الوارفة والأشجار الملتفة والأشعة البنفسجية. وفي كابري زاره الأدباء والعلماء والزعماء ولا سيما لينين الذي كان يهرع إلى تلك الجزيرة ليتخذ منها مغنى وملهى وموضعًا للتفكير والتدبير. ولم يكن جوركي خصم الشيوعية من اللحظة الأولى، ولكنه لم يكن لها باختياره، لأن الشعب تعلق بكتبه، وأعجب بأدبه، فطلب إليه لينين أن يرأس تحرير جريدته فأجاب سؤلهَ. ففاز به لينين ولشد ما كان إعجابه بهذا الفوز، لأن جوركي كان الكاتب الكبير المخضرم، وهو الوحيد بين من عطفوا على الثورة. وكانت تعوقه عن التمادي في نصرتها عقبة عقلية ونفسانية، وهي أنه بنشأته وغريزته يعين الفرد، ويعززه ويعمل على تنميته وتعظيمه والإعجاب به، والثورة الشيوعية تود لو تمحو شخصية الفرد ليندمج في المجموع ويسخر له. وفي هذا المذهب