تؤدي هذا المقدار قبل الإسلام. على أن عُمر إنما أراد بتشدده وتمسكه أن يحلب البلاد حلبًا ويقطع درها بخلاف ما كان يتوخاه عمرو بن العاص من مراعاة حال البلاد من شدة ورخاء.
وقد لغط المؤرخون في مقدار الخراج، وقصره بعضهم على جزية الرءوس التي كان مفروضًا أداؤها على أهل الذمة من القبط وغيرهم لأن الخراج في عهد الإسلام كان من ناحيتين (الأولى) الضرائب الشخصية المعروفة بالجزية أو جزية الرءوس (والثانية) ضرائب الأطيان، ومجموع هذين يعرف بالخراج.
على أن قصر بعض المؤرخين الخراج على جزية الرءوس مع خطئه يجعل الاهتداء إلى معرفة عدد سكان مصر وقت الفتح أمرًا مستحيلًا، ناهيك ما هنالك من الاختلاف الكبير بين روايتي ابن عبد الحكم (267هـ=781م) وهو أقدم مؤرخي مصر الإسلامية والبلاذري (290هـ=892م) وهو من معاصري ابن عبد الحكم.
وقد ذكر ابن عبد الحكم أن عدد من ضربت عليهم الجزية من المصريين في عهد عمرو ثمانية ملايين عدا الصبيان والنساء والشيوخ، ولو بلغ عدد من ضربت عليهم الجزية رُبع سكان البلاد لكان أهل مصر طبقًا لهذا التقدير اثنين وثلاثين مليوناُ من النفوس. وهذا بعيد التصديق، إذ لو كان هذا العدد صحيحًا لبلغت جزية الرءوس وحدها ستة عشر مليون دينار وهو يخالف ما أجمع عليه المؤرخون من أن خراج مصر بنوعيه لم يزد في السنة الأولى من ولاية عمرو على عشرة ملايين، ولم يزد في السنة التالية على اثني عشر مليونًا. كذلك روى البلاذري أن عمرا فرض على كل مصري عدا النساء والصبيان والشيوخ دينارين فبلغ خراج مصر (بما فيه جزية الرءوس) مليوني دينار، فإذا خصصنا لجزية الرءوس مليونًا اقتضى أن يكون عدد من فرضت عليهم الجزية خمسمائة ألف نسمة، وعلى هذا القياس لا يزيد سكان مصر على مليوني نسمة.
هذا ولم يكن للخراج نظام ثابت، فكانت ضريبة الأطيان تقل وتكثر حسب الاهتمام بالتعمير وإصلاح الجسور والخلجان ونحوها، كما أن جزية الرءوس كانت تتناقص بالتوالي لدخول أهل مصر في الإسلام، إما رغبة في اعتناق هذا الدين، أو فرارًا من دفع الجزية. وقد رأى بعض العمال عدم دفع الجزية عمن أسلم. يدلك على ذلك كتاب وإلى مصر إلى الخليفة