قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:225] أي: في كل لغو يخوضون ولا يتبعون سنن الحق، وقد ذكر الإمام القرطبي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملًا لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعني: كان واليًا على بلد من بلاد الشام، فقال شعرًا، وهو من المؤمنين الصالحين، ولكن حصلت له هفوة فقال هذا الشعر: من مبلغ الحسناء أن حليلها بميسان يُسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية ورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا في الجوسق المتهدم فبلغ هذا الشعر عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فأرسل إليه، فلما أقبل على عمر قال له: إي والله! إني ليسوءني ذلك، لأنه قال في شعره: لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم وهو يقول: (من مبلغ الحسناء) يعني: امرأته، من يبلغها؟ (أن حليلها) أي زوجها، (بميسان يسقى في زجاج وحنتم) ، يعني: أنه يشرب الخمر، في بلدة ميسان، وهو لم يشرب، ولكن كما قال الله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:224 - 225] ، فلما قال له عمر ذلك استشعر من عمر أنه سيقيم عليه الحد باعترافه أنه شرب الخمر، فقال: يا أمير المؤمنين! ما فعلت شيئًا مما قلت، وإنما كان فضلة من القول، وقد قال الله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء:224 - 226] .
فقال عمر رضي الله عنه: أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي عملًا أبدًا.
فالشعراء عادتهم الكذب، ويقولون: أجود الشعر أكذبه.
وشعراء أهل الجاهلية كان أحدهم يبتدئ القصيدة بالغزل، ويتكلم في الفخر، ثم يهجو الخصم ويتكلم في الشجاعة، ويأتي بأشياء عجيبة، كالمعلقات التي كانت تعلق في الكعبة، وقد قالها فحول الشعراء مثل عنترة وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد وامرؤ القيس، وقد كتبت بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، ومن أجمل هذه المعلقات معلقة عمرو بن كلثوم وهو رجل تغلبي، وكان في عهده ملك اسمه عمرو بن هند، وكانوا يلقبونه بمضرط الحجارة، أي: أن الحجارة تضرط؛ خوفًا منه، فقد كان جبارًا، ومن جبروته أنه سأل الناس: هل يوجد أحد ترفض أمه أن تخدم أمي؟ فقالوا له: نعم، عمرو بن كلثوم، وكان عُمْر عمرو خمس عشرة سنة، فبعث إليه أن يأتيه مع أمه، فذهب إليه هو وأمه مع عشرين رجلًا من القبيلة، فلما وصلوا إلى الملك دخلت المرأة عند أم الملك، فأم الملك أرادت منها أن تخدمها، فصرخت أم عمرو، فلما سمع عمرو ذلك أخذ السيف وضرب رقبة الملك، وهرب ومن معه، وقال قصيدته المشهورة: وقد علم القبائل من معد إذا قبب بأبطحها بنينا بأنا المنعمون إذا قدرنا وأنا المهلكون إذا أتينا وأنا الحاكمون بما أردنا وأنا النازلون بحيث شينا وأنا التاركون لما سخطنا وأنا الآخذون لما رضينا وأنا العاصمون إذا أطعنا وأنا الغارمون إذا عصينا ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا ألا أبلغ بني الطماح عنا ودعميًّا فكيف وجدتمونا إذا ما الملك سام الناس خسفًا أبينا أن نقر الذل فينا ملأنا البر حتى ضاق عنا كذلك البحر نملؤه سفينا إذا بلغ الفطام لنا وليد تخر له الجبابر ساجدينا فاسمعوا إلى هذا الكذب، وكانت هذه القصيدة معلقة في الكعبة أيام الجاهلية، وهو شعر رائع جدًا لكنه مليء بالكذب، فإنه قال: ملئنا البر حتى ضاق عنا! فهل قبيلة تغلب تملأ البر؟! وهل ملئوا البحر بالسفن؟! صدق الله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:224 - 225] .
ومن هؤلاء الشعراء جرول الملقب بـ الحطيئة، فقد كان شاعرًا كثير الهجاء، وكان يهجو أي إنسان، حتى كاد عمر رضي الله عنه أن يقطع لسانه، حتى إنه هجا أباه فقال: لحاك الله ثم لحاك حقًا أبًا ولحاك من عم وخال فنعم الشيخ أنت على المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي وقال لأمه: جزاك الله شرًا من عجوز ولقّاك العقوق من البنينا تنحي فاجلسي عني بعيدًا أراح الله منك العالمينا أغربالًا إذا استودعت سرًا وكانونًا على المتحدثينا بل إنه هجا نفسه فقال: أبت شفتاي اليوم إلا تكلما بشر فما أدري لمن أنا قائل أرى لي وجهًا قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله فصدق الله إذ يقول: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء:224 - 226] .