وأن منه ما يعلم تأويله كل ذى علم باللسان الذى نزل به القرآن وذلك إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوف بصفاتها الخاصة دون سواها فإن ذلك لا يجهله أحد منهم لو سمع تاليا يتلو:"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغى تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغى فعله مما فعله منفعة.
ثم يتحدث عن بعض الأخبار التى رويت بالنهى عن القول في تأويل القرآن بالرأى ويذكر من هذه الأخبار. حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعى قال: حدثنا شريك عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الأعلى هو بن عامر التغلبى عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار، ويعرض لكثير من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، التى تدور حول هذا المعنى، ويعلق عليها بقوله"وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا من أن ما كان من تأويل آى القرآن الذى لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بنصية الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه وإن أصاب الحق فيه فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة مؤمن وأنه محق، وإنما إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه في كتابه على عباده، فقال:"إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغى بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولا على الله ما لا تعلمون"."