وبعد هذا الجدل الطويل الذى يستغرق جزءا كبيرا من مقدمة التفسير ينتقل الطبرى إلى (القول في الوجوه التى من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن) يقول: قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربى، وأنه نزل بألسن بعض العرب دون ألسن جميعها، وأن قراءة المسلمين اليوم ومصاحفهم التى هى بين أظهرهم ببعض الألسن التى نزل بها القرآن دون جميعها، وقلنا في البيان عما يحويه القرآن من النور والبرهان والحكمة والبيان التى أودعها الله إياه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه ووعده ووعيده ومحكمه ومتشابهه لطائف جمة ما فيه الكفاية عن وفق لفهمه، ونحن قائلون: في البيان عن مطالب تأويله. ويلخص الطبرى ثلاث درجات تبين من خلالها تأويل ما أنزل الله من القرآن على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فأول هذه الدرجات ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره واجبه وندبه وإرشاده وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من احكام آيه التى لم يدرك عملها إلا ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته، وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأن منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك ما فيه الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها.