قال أبو مروان: وكان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام الجماعة والفتنة وفرع أدبه وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به العجب كل مذهب وهون عنده كل مطلب، وكان علقه من عمر بن عبد الله بن أحمد المكوى أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن، فألقى بنفسه يومئذ على أبى الوليد بن جهور في حياة والده أبى الحزام، فتشفع له، وانتشله من نكبته، وصبره في صنائعه، ولما ولى الأمر بعد والده نوه به، وأسنى خطيئته، وقدمه في الذين اصطنعهم لدولته، وأوسع رابته، وجلله كرامة ولم تقنعه، زعموا. واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن على الحسنى مبالغة، فأطال الثواء هنالك، واقترب من إدريس، وخف على نفسه، وأحضره مجالس أنسه، فعتب عليه بن جهور، وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى جميل رأيه فيه، وصرفه في السفارة بينه وبين رؤساء الأندلس فيما يجرى بينهم من التراسل والممداخلة، فاستغل بذلك لفصل ما أوتيه من اللسن والعارضة، فاكتسب الجاه والرفعة، ولم يبعد في ذلك من التهافت في الترقى لبعد الهمة، فهوى عما قليل إلى عباد صاحب أشبيلية، اجتذبه إلى ذلك، فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه وصحابته، يجالسه في خلواته، ويسفر له من مهم رسائله على حال من التوسعة. وكان ذهابه إلى عباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فخلا بالحضرة مكانة، وكثر الأسف عليه، وانتهى كلام بن حيان.
قلت: فأما سعة ذرعه وتدفق طبعه، وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه، فالصبح الذى لا ينكر ولا يرد، والرمل الذى لا يحصى ولا يعد.
أخبرنى من لا أدفع خبره من وزراء أشبيلية قال: لعهدى بأبى الوليد قائما على جنازة بعض حرمه، والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم، فما سمع رجلا منهم بما أجاب به الآخر، لحضور جنانه، وسعة ميدانه.
جملة من نثره، مع ما ينخرط في سلك ذلك من شعره
له من ورقة خاطب بها ابن جهور من موضع اعتقاله، يقول فيها: