ورجل البوليس الذي يحاول أن يكتشف الحقيقة، يحاول أن يصل إلى نظرية مقبولة حول الجريمة، فيجمع القرائن والأدلة، ويفسرها تفسيرا منطقيا، ويبحث فيها عن خيط مترابط يستنبط منه استنتاجا، أو تعميما متماسكا مدعوما بالبرهان المقنع الذي يدل على الجاني، ويتحدى أي اعتراض أو شك، وهو في هذا كله يستند إلى البيانات التي يجمعها حول الجريمة المرتكبة، فهو أمام مشكلة، أو سؤال يريد أن يصل إلى حل له، أو إجابة علمية يتحقق من صحتها من خلال ما يجمعه من بيانات وقرائن معتمدا في ذلك على التفسير المنطقي، والترابط بين حججه وأدلته. (12)
وهو هنا يطرح فروضا من أجل الوصول إلى الحقيقة كما يراها هو، وهو هنا يشبه الباحث الذي يقوم بالعمل نفسه. إن الباحث أيضا يطرح فروضا على بحثه، يحاول من خلالها الوصول إلى اليقين العلمي، هذا اليقين هو النظرية العلمية التي يطرحها الباحث أمام المجتمع العلمي بعد أن تكون قد مرت بمرحلة الفرضيات.
فالفرضيات العلمية المطروحة في مجال الكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك وغير ذلك من العلوم البحتة كانت فرضيات في بداياتها، ثم تحولت بعد ذلك بتجمع القرائن والأدلة إلى نظريات، ثم إلى حقائق علمية، مثل حقيقة أن الأرض بيضاوية، كانت فرضا في أول الأمر، ثم تحول الفرض إلى نظرية، ثم إلى حقيقة علمية، لكن كيف مرت هذه المراحل في حالة بيضاوية الأرض.