فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 178

1 -ما ردده المستشرقون - وتبعهم فيه كثير من المعاصرين - عن الشعر في عصر صدر الإسلام، وأنه ظل بصورته الجاهلية إلا بعض آثار طفيفة ظهرت عند حسان ومواطنيه من شعراء المدينة، أما من عداهم من شعراء نجد وغير نجد فقد ظلوا يجترون، ويكررون المعاني الجاهلية الموروثة، وهو رأي يخالف طبائع الأشياء، أن يخرج العرب وشعراؤهم من حياة الوثنية المادية إلى حياة الإسلام الروحية، ويتلون القرآن الكريم خاشعين لما يصور من عظمة الله وجلاله ورحمته ومحبته، ويؤمنون بكل ما جاء به من البعث والحساب والثواب الأخروي والذاب، ويكبون على فروضه الدينية، متبتلين، ويترسمون هديه الخلقي، وما حرم من الفواحش الظاهرة والباطنة، ويستشعرون رقابة الله في كل صغيرة وكبيرة، وقد تعمقهم قلق لا حدود له على مصيرهم يوم يعرضون على ربهم، فإما إلى النعيم والثواب، وإما إلى الجحيم والعقاب، ويقال مع ذلك كله إن العرب وشعراؤهم ظل الإسلام لا يمس مشاعرهم، مع ما حدث لهم من هذه الحياة الروحية الجديد، حتى إن كلا منهم ليضحي بروحه في سبيل دينه الحنيف، وبمجرد أن نشروا أضواءه في الجزيرة مضوا ينشرونها في أطباق الأرض، وهم يرتلون القرآن، ويدوون به دوي النحل، ومع هذا جميعه يقول المستشرقون ومن جاراهم إن الشعراء المخضرمين لم يتأثروا تأثرا واضحا بالإسلام إلا أسرابا ضئيلة تظهر ناحلة في شعر أهل المدينة، وهي مخالفة صريحة للمنطق، أن يحدث هذا التطور الهائل في نفوس العرب، ولا تنعكس منه أصداء على أشعارهم، أصداء تعم كل أنحاء الجزيرة، وكل شعرائهم من البدو وغير البدو، وما هي إلا أن نتصفح كتب التاريخ والأدب والتراجم الخاصة بالصحابة مثل السيرة النبوية لابن هشام، والإصابة لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير، وتاريخ الطبري، وكتاب الأغاني، وطبقات ابن سعد، والاستيعاب لابن عبد البر حتى يتراءى لنا في وضوح خطأ هذه الفكرة التي نشأت من التقصير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت