رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [1] فَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا بِالْحِفْظِ وَالْحِرَاسَةِ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هُوَ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ وَلَطَائِفُ الْقُرْآنِ مُعْرِضُونَ فَلَا يَتَأَمَّلُونَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِيَعْرِفُوا أَنَّهُ لَا كَالِئَ لَهُمْ سِوَاهُ )) [2] .
ـ وسبق أن أوضحنا خمسين دليلا تبين صور النسيان والغفلة والإعراض عن الدين (الإعراض عن الله والآخرة والأدلة على الخالق والآخرة) ، وأيضا الأدلة على أن عدم تأثر المشاعر بالله والآخرة والأدلة على الخالق والآخرة هو نسيان لله والآخرة (راجع الفصل الثالث) .
ـ ولاحظ أن الإعراض عن الأدلة على الخالق هو إعراض عن الخالق.
ـ التعود على مشاهدة المعجزات:
ـ لو جاءك ساحر فسحر لك أشياء مذهلة، هذا معناه أن الساحر له قدرة أعلى من قدرتك، وأنت لا تريد أن تشعر بضعف قوتك أمام قوته، فتتجاهل ما قام به من السحر كأنه لم يسحر شيئا وكأنها أمور عادية، وكل يوم يأتيك الساحر فيسحر لك أشياء مذهلة وأنت لا تبالي فقد تعودت على رؤية ما يأتي به.
ـ فتجاهلك لهذا السحر لن يغير من حقيقة الأمر شيء فقوتك ضعيفة.
ـ هذا الأمر إذا كان سحرا فما بالك لو كان حقيقة وليس سحرا، فأنت حولك أمور هي معجزات وهي أعجب من السحر، فخروج النبات بألوانه وثماره من تراب أسود هو أعجب من السحر وهو أمر خارق للأسباب، وكذلك كل الآيات الكونية ولكن الإنسان تعود النظر إلى السماء والأشياء من حوله على أنها أمور عادية.
ـ فكل ما لا تستطيعه ويكون فوق قدرتك فهو إعجاز، فأنت لا تستطيع إيجاد ولو ذبابة، فما بالك بكل هذا الكون الفسيح الهائل.
ـ فوجود أشياء لا يستطيع الإنسان القيام بها ولا من حوله من المخلوقات دليل على أنه لا أحد من البشر ولا المخلوقات أوجدها ولابد أن أحدا لا نراه له قدرة هائلة فوق قدرة الإنسان هو الذي أوجدها.
ـ فإذا تصور الإنسان ذلك شعر بضعف قوته وشعر بخضوعه لقوة الخالق الذي له كل هذه القدرة.
ـ وبالتالي فالعاقل كلما رأى شيئا تذكر ضعف نفسه وقدرة من أوجد هذا الشيء فشعر بالخضوع لله تعالى وشعر بحب الإعجاب بقوته وخاف من مهابة قوته، وهذا هو التعامل الصحيح مع الأدلة على الخالق.
ـ الإنسان يعيش هادئا تماما وحوله المعجزات تحيط به ولا تلفت نظره ولا تتأثر بها مشاعره:
ـ لو عقل الإنسان مدى قدرة الخالق لعاش في رعب من هيبة قدرته سبحانه، وعدم رؤية الله لا يغير من حقيقة الأمر شيء فقدرته فوقنا مهيمنة ومسيطرة ولكن الغافل لا يشعر بشيء، إن قدرة الخالق فوق مستوى الخيال وأشد رعبا من قدرة أي شيء مرعب يمكن أن تتصوره، لكن قدرة الله في مشاعر البعض هي شيء عادي جدا لا خطورة منه ولا مشكلة فيه ويعيش كأنه لا يوجد أي شيء يدعو للانزعاج كأنه لا خطر يتعرض له أو يمكن أن يلحق به.
ـ فنحن واقعين تحت خطر عظيم هو قدرة الله ومراقبته، لكننا في غفلة تامة نعيش بحرية غير مدركين أننا نعيش حياة الخاضع
(1) الأنبياء: 42
(2) تفسير الرازي [مفاتيح الغيب] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (22/ 147)