فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 249

ـ اليقين الحقيقي بأن الله هو السميع البصير العليم الرقيب هو الشعور بالمراقبة بالمعنى الأول السابق ذكره، أي الشعور بأن الله يسمعك ويراك ويرقبك دائما، وعدم وجود هذه المراقبة تعني غياب اليقين الحقيقي بأن الله هو السميع البصير العليم الرقيب، رغم وجود اليقين النظري التام بأن الله هو السميع البصير العليم الرقيب.

ـ وقوع الإنسان تحت السيطرة التامة والمراقبة التامة:

ـ تصور لو أن إنسانا يسير وراءك في كل لحظة لا يفارقك ويمسك بمسدس يصوبه نحوك ومعه كاميرا تسجل عليك كل شيء بالصوت والصورة، فكيف تعيش حياتك إذا؟، قدرة الله وعلمه يسيران معك في كل لحظة، فأنت تعيش تحت سيطرة كاملة ومراقبة تامة.

ـ والإنسان إما أن يعلن استسلامه لهذه السيطرة فهو مسلم، وإما أنه يريد أن يهرب من هذه السيطرة ولكنه لن يستطيع، فيتناسى أنه مراقب وأنه تحت سيطرة الله، وهذا من الغباء، ففي تفسير أبي السعود: (( {والله مُحِيطٌ بالكافرين} أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ، شبه شمولَ قدرته تعالى لهم وانطواءَ ملكوتِه عليهم بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة الفوْت ) ) [1] .

ـ الخضوع هو شعور بأنك واقع تحت قدرة المسيطر المهيمن الجبار القادر المالك العزيز.

ـ والشعور بالمراقبة يقوى ويضعف حسب الشعور بقوة الرقيب، فلو افترضنا أن الإنسان يراقبه طفل من الأطفال، فلن يعبأ بأوامره وبكلامه ولن يوقره ويحترمه لأنه طفل قوته ضعيفة رغم أنه يعلم أن الطفل يسير معه ويرقب كل ما يفعله، أما إذا افترضنا أن الإنسان يسير معه قوة مسلحة من الجيش بالدبابات من حوله والطائرات الحربية من فوقه والألغام والمتفجرات موضوعه في كل مكان يذهب فيه، فلا يمكن أن ينشغل ذهنه عن هذه الرقابة الهائلة، فقوة الله سبحانه أعظم من كل الجيوش في العالم مجتمعة وهي معك في كل لحظة.

ـ فمثلا لو سمعت أن رجلا خارقا يستطيع أن ينقل الجبال أو يستطيع أن يبيد الناس في لحظة أو الخ، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالهيبة والخشية والرهبة، فان الله يستطيع ما هو أعظم من ذلك: (( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) ) [2] ، ويستطيع أن يبيد كل البشرية في أقل من لحظة، فلماذا لا تشعر بنفس الشعور السابق وقدرة الله معك في كل لحظة تحيط بك؟، إن الشعور بمدى قدرة الله يعني الشعور بالخوف من مهابته، والشعور بالخوف من عقابه، والشعور بالخضوع لله تعالى والتسليم بقدرته.

ـ فإذا لم يتحقق الشعور بمدى قدرة الله، فلن يشعر الإنسان بقيمة رؤية الله له، لأن مدى قدرة الله عندئذ تكون عنده مثل قدرة أحد من الناس فجعل رؤية الله له مثل رؤية أحد من الناس له.

ـ وإذا غاب الشعور بأن الله يسمعه ويراه ويعلم ما يفعله فإن الإنسان سوف يعمل ما يشاء ويترك الهداية لأنه عندئذ لن يحاسب طالما أنه لا يعلم أحد بما يفعله ـ في تصوره ـ، ولو شعر بأن الله يراه لاهتدى أي لو شعر بمراقبة الله تعالى لاهتدى، ففي التفسير القرآني للقرآن: (( {كَلَّا} هو ردّ على هذا السؤال في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى} وكلا إنه لا يعلم بأن الله مطلع على كل شيء، ولو كان يعلم هذا علما مستيقنا لخاف ربه وخشى بأسه، ولكن ضلاله أعمى قلبه، وأظلم بصيرته، فلم يرى جلال الله، ولم يشهد عظمته، ولم يخش بأسه! ) ) [3] .

ـ مفهوم الشعور بأن الله هو السميع البصير العليم الرقيب:

ـ هناك فرق بين الاقتناع النظري بأن الله سميع عليم رقيب، وبين الشعور بأن الله يسمعك الآن ويراك، فتخيل أن هناك كاميرات سرية موضوعة لك في كل مكان وأنت يتم رصدك وتسجيل كل تصرفاتك وحركاتك وسكناتك بل وما تفكر فيه، ألا تشعر بالخوف والقلق، فإن الله يسمعك ويراك ويراقبك، إذن لابد أن تشعر أن أحدا ما يراقبك ليلا ونهارا ويري كل ما تفعله وهذا معناه أن تظل هذه المراقبة علي بالك وفي همك دائما، فإذا لم تشعر بأنك مراقب فهذا يعني أن شعورك بأن الله سميع وبصير غير موجود، وإن كنت علي اقتناع نظري تام بأن الله سميع وبصير.

ـ كل الناس مسلمين وكافرين يوقنون بأن الله عليم بكل شيء: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [4] ، ولكن هذا عند البعض ليس إلا يقين نظري فقط فهم غافلون غير منتبهين لخطورة أن الله العظيم يعلم ما يفعلونه، فحقيقة اليقين عند هؤلاء هو أن الله لا يعلم كثيرا مما يعملون: (( وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ(22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) [5] .

ـ ولو وصل الإنسان إلى درجة الكمال في المراقبة لم يقع في ذنب أبدا، وإنما يقع في الذنب إما لغياب المراقبة أو لضعف المراقبة (نقصد بالمراقبة التعريف الأول الذي هو الشعور بأن الله هو الرقيب) .

ـ مفهوم أن الله هو المالك:

ـ أنت تعيش في ملك الله وتأكل من رزقه وتسكن في أرضه وأنت نفسك جزءا من ملكه فيجب عليك أن تعيش معيشة العبيد فلست حرا تفعل ما تريده لنفسك ولكنك عبد تعيش من أجل سيدك.

ـ كل هذه المساكن والمدن التي يعيش فيها الناس لها مالك واحد فقط هو الخالق سبحانه، والناس يعلمون ذلك لكنهم قد ألفوا المعيشة في هذه المساكن وعاشوا فيها زمانا يحسبون أن المساكن التي يسكنون فيها هي بيوتهم، ويحسبون أن ما وجدوه في هذه الأرض من خيرات هو ملكا لهم، ويحسبون أنهم أحرارا يفعلون ما يشاءون، لذلك فهم يتناسون الأمر كأنهم لا يعلمون.

ـ إن هذا الكون الهائل لابد له من خالق، والذي يخلق شيئا فإنه يملكه، إذن فهو المالك، هذه المعلومة البسيطة لا نتعامل معها كمعرفة نظرية ولكن نعرفها معرفة حقيقية حيث يحدث شعور بالقيمة لخطورة هذه المعلومة وخطورة ما تعنيه، لأن هذا يعني أن عقود التمليك التي عندنا في الدنيا مجازية للتعامل بيننا في الدنيا فقط وليست عقود حقيقية لأنه في الحقيقة لا أحد يملك شيئا فالله هو المالك لكل شيء وإنما هي أمانة وعارية ملك لله ويستردها الله منا وقتما يشاء، لذلك فمَنْ اعتقد أنه يملك شيئا ملكا حقيقيا فقد أشرك: (( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ) [6] ، (( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ) [7] ، (( ألا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) ) [8] ، (( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) ) [9] ، (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) ) [10] .

ـ إن كل ما عندك وكل ما معك من مال ومسكن وزوجة وأولاد ومنصب وجاه وكل النعم وكل شيء ملكا لله تعالى بل أنت نفسك ملكا لله، لأن الذي خلق شيئا فهو يملكه، وكذلك كل ما يكتسبه الإنسان من تكريم ومن أفضلية ومن سمع ومن بصر وإرادة وعقل وقدرات، ولكن الإنسان يظن أن ما به من يد وعين وأنف .... إلخ ملكا له، فإن الله هو المالك لأنه الخالق ويتضح ذلك كالتالي:

ـ المال ملك لله: (( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) ) [11] ، (( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) ) [12] ، والمال تشتري به طعام وشراب ... الخ، وأي شيء تشتريه مصدره النبات أو الحيوان أو مادة الأرض وذلك ملك لله تعالى، كما

(1) تفسير أبي السعود [إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (1/ 54)

(2) طه: 105

(3) االتفسير القرآني للقرآن ـ دار الفكر العربي - القاهرة (16/ 1629)

(4) الزخرف: 9

(5) فصلت: 22، 23

(6) غافر: من الآية 16

(7) الفتح: من الآية 14

(8) يونس: 66

(9) النمل: 91

(10) يونس: 31

(11) الحديد: من الآية 7

(12) النور: من الآية 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت