فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 249

ـ عندما يسمع الإنسان دعوة الرسل يحدث الرفض لدعوة الرسل بإحدى طريقتين هما: إما أنه لا يقتنع بالأدلة والحجج والدلائل التي جاءت بها الرسل، وهذا مستحيل لأن الرسل جاءت بالبينات والدلائل والحجج واضحة لأي عاقل تدل على صدق هذه الدعوة، لذلك فجميع الناس مسلمين وكافرين عندهم تصديق نظري تام بصدق دعوة الرسل، حتى الملحدين والعلمانيين في ظاهر أمرهم أنهم يجحدون وجود الله والآخرة ولكن في قرارة أنفسهم يقرون بوجود الله والآخرة، وفي تفسير ابن كثير: (( {وَجَحَدُوا بِهَا} أي: في ظاهر أمرهم، {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} أي: علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جَحَدوها وعاندوها وكابروها، {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، {وَعُلُوًّا} أي: استكبارًا عن إتباع الحق ) ) [1] . (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [2] .

ـ والطريقة الثانية لرفض دعوة الرسل هو أن يستكبر، فدعوة الرسل معناها أن يخضع الإنسان لله، فيستكبر فلا يخضع، رغم أنه مقتنع نظريا بأن عليه أن يخضع، لذلك فالإنسان إما مؤمن أو مستكبر ولا يوجد شيء ثالث، أي إما خاضع أو غير خاضع، ففي تفسير البغوي: (( {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر، قال الله تعالى"أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون") ) [3] .

ـ وحيث أن الاستكبار هو رفض للأمر غير مبني على دليل فلا يستطيع أن يواجه الأمر أمام نفسه لأن الإنسان له عقل لا يوافق على أمر بغير دليل، فيلجأ إلى حيلة لإخفاء هذا الاستكبار وهي أن يعطل وظائفه، فتصبح وظائف الإنسان موجودة ولكن معطلة فهي تعمل فقط ظاهريا ونظريا بغير شعور بقيمة الأمر.

ـ بمعنى أن الإنسان يتجاهل الأمر ويتغافل عنه ويتغابى عنه ويتناساه كأنه لم يسمع عنه وكأنه لم يعرفه وكأنه لم يعلمه، فيكون كأنه غير مصدق ولا مكذب وكأنه غير كافر بالأمر ولا مؤمن به وهذا يسمى كفر التولي القلبي أو كفر الإعراض القلبي: (( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )) [4] ، (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [5] .

ـ الكفر ثلاثة أنواع: [[الأول كفر جهلي وسببه الغفلة عن الآيات الدالة على وجود الله تعالى، والإعراض عما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام ككفر العوام المشتغلين بالدنيا والثاني الكفر الجحودي العنادي ... والثالث الكفر الحكمي (أي الذي يحكم به على إسلام الفرد الظاهر) ] ] [6] .

ـ الموافقة والرفض:

ـ والإنسان يوافق على ما هو يعلمه نظريا أو يرفضه بأن يعقله أو يرفض أن يعقله بتعطيل عقله، بمعنى أنه إذا لم يعجبه الأمر لأن فيه خضوع وهو لا يريد الخضوع فيستكبر ويعاند من قبل أن يُعمل عقله في الأمر ويعطل عقله حتى لا يعقله، لأنه يعلم أنه لو عقله لخضع، فكل من يُعْمل عقله يؤمن بالضرورة: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ) ) [7] .

ـ فكفر الكافرين هو كفر استكبار وعناد.

1 ـ رفض الخضوع قبل إعمال العقل فيعطل عقله:

ـ الإنسان إذا علم أمرا ما فإنه لا يقبله أو يرفضه حتى يعقله أولا فهذا هو الإنسان العاقل، فإذا كان الأمر هو خضوع الإنسان وهو لا يحب الخضوع فإما أن يرفضه من قبل أن يعقل الأمر ومن قبل أن يعقل الأدلة على صحة هذا الأمر فهذا

(1) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 6، ص: 181)

(2) الأنعام: من الآية 33

(3) تفسير البغوي [معالم التنزيل في تفسير القرآن] ـ دار إحياء التراث العربي -بيروت (ج: 3، ص: 227)

(4) الجاثية: 7، 8

(5) لقمان: 7

(6) الكفر والمكفرات ـ أحمد عز الدين البيانوني ـ دار السلام (ص: 6)

(7) الأنعام: 36

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت