فائدة، فهو قد خسر ما بذله من جهد حيث سخَّر نفسه لجلب متع الدنيا لأهله فلم يحقق ذلك له السعادة ولم ينفعه أهله، فهو بذلك قد انشغل بنفسه عن الله وانشغل بأهله عن الله، فهو بذلك قد خسر نفسه وأهله: (( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ) [1] .
ـ وتعلق مشاعر الإنسان بالناس من الغباء لأن الناس لن ينفعوه حتى لو كانوا أقرب الناس إليه كالزوجة والأولاد والأقارب والأصحاب، ففي الحديث: (( .. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) ) [2] ، ومن علم أنه لن ينفعه أحد انشغل بنفسه في حاله مع الله عن الانشغال بالناس وعاش غريبا بين الناس ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور ) ) [3] ، ويقول تعالى: (( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ) ) [4] ، (( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) ) [5] ، وفي الحديث: (( واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) ) [6] .
9 ـ التلهي بالنعم:
ـ إن هناك أمور كثيرة أحلها الشرع كالطعام والشراب والملبس والتعليم والعمل .... الخ، والقضية ليست في هذه الأمور في حد ذاتها فهي أمور يأمر بها الشرع حتى ما فيها من اللهو المباح والمتع الحلال، وإنما القضية في ارتباط المشاعر وتوجه المشاعر تجاه هذه الأمور فتصبح قضية الإنسان في حياته وهمه الأكبر، وإنك لتجد المرء مهموما بالمال والشهوات والمظاهر والترف والأغاني ومهموما بمشاغل الحياة من الدراسة والزواج والأولاد والطعام والشراب .... إلخ (سواء ما فيها من حلال أو حرام) ، وإذا بحثت عن مكان في الذهن مشغولا بالآخرة لا تجد، وكأن عالم الغيب لا يعنيه رغم أن كلمة الآخرة تعني الأهوال والخطر القادم، فإنه ينظر إلى عالم الغيب بعدم اهتمام في حين ينظر إلى أمور الدنيا باهتمام بالغ، وقد يكون الإنسان مقتنعا بأنه لا يعيش من أجل هذه الأشياء أو أنها ليست قضيته الأولى في حياته، ولكن العبرة باتجاه مشاعره وحياته وهمه وطموحه وتضحياته من أجل ذلك الأمر، فأنت لا تختار الطريق باقتناعك النظري ولكن مشاعرك هي التي تختار الطريق، فقد تختار أنت طريق الحق مقتنعا به نظريا، لكن مشاعرك تختار طريق الشهوات أو أي شيء فلا تتأثر المشاعر بالغيبيات وإنما تتأثر بهذه الأشياء.
ـ ملحوظة:
ـ عبادة الهوى لا تعني التعلق بالنعم فقط وإنما أيضا التعلق بأي شيء سوى الله سبحانه وما يتصل به، كالتعلق بالناس أو الأعمال الدنيوية أو شيء أو منهج يخترعه الإنسان، والعاقل لا يتعلق بغير الله لأنه وحده النافع الضار وكل ما سواه لا ينفع ولا يضر فلا قيمة له.
ـ أي شيء غير الله سواء كان ماديا أو معنويا سواء كان حلالا أم حراما تتعلق به مشاعرك أكبر من تعلقها بالله فأنت تعبد ذلك الشيء وذلك عبادة للهوى وذلك الشيء هو صنم يُعبد من دون الله تعالى.
ـ فهناك مفهوم مغلوط عن الأصنام، فالأصنام ليست فقط تلك المصنوعة من الحجارة فقط، فالدنيا صنم كبير يعبده الكثير من الناس!.
ـ وعبادة الأصنام عبارة عن منهج مخترع اخترعه المشركون وعاشوا له وأعجبوا به وقدسوه وشغلوا حياتهم به ووجهوا تفكيرهم إليه، وأصبح ذلك عادات وتقاليد مقدسة حصروا عقولهم فيها، وكذلك كل من يخترع أمرا أو يختار أمرا غير الله والآخرة والدين فيشغل حياته وهمه وتفكيره به، سواء كان ذلك خيرا آم شرا حلالا أم حراما لكن توجه إليه التفكير منصرفا عن الله والآخرة وتعلقت به المشاعر مبتعدة عن التعلق بالله والآخرة، فعبادة الأصنام هي صورة من عبادة الهوى.
ـ ثالثا: عمل الجوارح
ـ عندما يشعر بأن جلب النعم ليس بكده وتعبه وذهابها ليس من تقصيره في السعي وأنه لا يدري ما يفعل به ويشعر بأن النعم لا قيمة لها من حيث زوالها بموته فإنه عندئذ لن يتشاحن مع الناس على الدنيا ولن يعيش للمال والشهوات وسوف يتعامل مع الناس بالأخلاق الحسنة لأنه يرى أن الناس مثله تأتي لهم النعم وتسلب حيثما يريد الله وهم لا حول لهم ولا قوة.
ـ عمل الإنسان يدل على ما في تفكيره ومشاعره، فإذا كان المال هو الذي يشغل تفكيره ومشاعر فسوف تجد أن كل عمله أو أكثره يتجه لجلب المال ويكون أكثر كلامه عن المال، وما يظهر عليه من انفعالات وغضب وفرح يدل على انبهاره بقيمة المال وحزنه على فقده، وهكذا.
ـ ولكن مهما عمل الإنسان من أعمال لا يمكن أن نعرف بها حقيقة ما في قلبه، فالله يعلم ما في قلبه والإنسان نفسه يعلم ما يدور في قلبه (ما يدور في عقله وما تتعلق به مشاعره) .
ـ أعمال الدنيا وأعباء الحياة والأمور التي تسرق الوقت قد ينشغل بها هم الإنسان وكلامه وعمله حتى تسرق عمره كله فيموت ولم ينشغل همه بلقاء الله والآخرة: (( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )) [7] .
ـ عبادة الهوى تعني أن الإنسان يحسب أنه قوي بامتلاكه النعم، ويرى أن ما يقوم به من أمور وما يصنعه من أشياء هي أمور وأشياء عظيمة القيمة ـ ولو كانت في حقيقتها أمور تافهة ـ ففي ذلك قوة له، وهو يرى أن الدنيا عظيمة القيمة وأن ما بها من متع وشهوات عظيمة القيمة ففي ذلك قوة له لأنه يرى أن الدنيا ملك له وأن البشر هم الملوك على هذه الأرض، رغم اليقين النظري التام بأن الدنيا إلى زوال، وأن كل ما يخترعه الإنسان مما يفيد هو نعم من الله وأن الله هو المالك والرزاق.
ـ فهو في حقيقته يتلهى بالنعم وبما يقوم به ويصنعه عن الخضوع للمنعم، فيتشاغل بذلك عن سماع كلام المتحدث الذي يأمره بالخضوع (المتحدث هو الله أو الرسل أو القرآن أو الدين أو آيات الكون أو الشرع) .
ـ والأدلة على عبادة الهوى هي:
1 ـ يقول تعالى: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [8] ، (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) ) [9] ، (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [10] .
2 ـ جاء في تفسير القرطبي: (( الهوى إله يعبد من دون الله ) ) [11] ، وفي تفسير الطبري: (( أرأيت يا محمد مَنْ اتخذ إلهه شهوته التي يهواها ) ) [12] ، وفي تفسير ابن كثير: (( أرأيت مَنْ اتخذ إلهه هواه أي بما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه ) ) [13] ، وفي تفسير النسفي: (( أي مَنْ أطاع هواه فيما يأتى ويذر فهو عابد
(1) الزمر: 15
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 667، برقم: 2516)
(3) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 567، برقم: 2333)
(4) الممتحنة: 3
(5) عبس: 34 ـ 36
(6) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 73 في صحيح الجامع)
(7) التكاثر: 1، 2
(8) الفرقان: 43
(9) الجاثية: من الآية 23
(10) القصص:50
(11) تفسير القرطبي [الجامع لأحكام القرآن] ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 13، ص: 35)
(12) تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن] ـ مؤسسة الرسالة (ج: 19، ص: 274)
(13) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 6، ص: 113)