ـ فالذين يعيشون من أجل شهوات النساء هم على وجه الدقة يعيشون من أجل شهوة إخراج المني، والمشكلة أن الذي يعيش للشهوات يدور حولها من غير أن يواجه نفسه بأصل ما يريده وهو إخراج المني فهو يتكلم بالشهوات وينظر إلى العورات، ولو واجه نفسه بأصل ما يريده لارتاح وترك الكلام والنظر والتفكير في الشهوات وترك الشذوذ لأنه عندئذ يعلم بأن الأمر تافه وبسيط وليس إلا مجرد احتكاك.
ـ الله جعل في ملئ البطن بقدر ما يسد الجوع لذة حتى يستمر الإنسان حيا فلا يعزف الناس عن الطعام.
ـ الإنسان له قدرة محدودة على تناول الطعام والشراب لا يستطيع أن يستزيد منها، ولذة الطعام تقل كلما أكل الإنسان أكثر، فالجائع الذي طال جوعه إذا وجد لقمة من خبز استمتع بطعمها، والإنسان الذي شبع وامتلأت بطنه إذا أكل ألوان من اللحوم وغيرها فلن يشعر لها بطعم، كما أن الأمراض تحدث من كثرة الطعام ويصبح الإنسان محروما من بعض الأطعمة حتى يحافظ على صحته، ولا يستطيع الإنسان أن يأكل طعاما كثيرا يكفيه ليومين مثلا ثم يبتعد عن الطعام يومين، وبالمثل لا يستطيع أن يكثر من شهوة الجماع، كما أن شهوة الطعام وشهوة الجماع تقل مع تقدم العمر، وبالمثل لا يستطيع الإنسان النوم لمدة يومين ثم الاستيقاظ لمدة يومين، وإذا أكثر الإنسان من الطعام والشراب أو الشهوات فإنه يمل، وهكذا تجد أن قدرة الإنسان محدودة ومقننة بوضع معين في الدنيا أما في الجنة فهذه القيود تزول.
ـ ولذلك فالشرع يأمرنا بألا نفرط في الاهتمام بالطعام والشراب بحيث يكون طعامنا كيفما اتفق ففي الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) ) [1] ، وفي حديث آخر: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( إن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا ) ) [3] ، وفي رواية أخرى: (( تجشأ [4] رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ) ) [5] ، كما أن الإنسان في الدنيا هو عابر سبيل، وعابر السبيل لا يهتم كثيرا بالطعام والشراب فالشخص المسافر يأكل (سندوتشات) مثلا أثناء سفره، ولا يهتم كثيرا بنوعية الطعام أو بترتيبه وإعداده، فالطعام عنده مجرد لقيمات يسد بها جوعته، ولذلك ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور ) ) [6] .
ـ الشيطان يزين للإنسان بأن الفارق بين الأطعمة المختلفة كبير جدا، رغم أنه من له بصيرة لا يرى فارق كبير، كما أن الشيطان يزين للإنسان أن يأكل من أجل اللذة، أما من له بصيرة فهو يأكل إذا جاع ويأكل فقط ما يسد جوعته لا أكثر.
ـ فالمعدة عبارة عن خزان يمتلئ ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهذا ما يؤكده الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ) ) [7] فالمعدة مجرد وعاء يملأه الإنسان ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهو أسوأ وعاء لأنه كلما امتلأ فرغ ما به وتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه طوال ليله ونهاره ويخرج منه كأقذر شيء!.
ـ رابعا: الشعور بضآلة شهوة التعالي على الناس
ـ شعور الإنسان بأنه صاحب النعم يجعله يغتر بنفسه ويتعالى على الناس، وإذا شعر بأن الله هو صاحب النعم فهو لا يملك شيئا يتعالى به على الناس لأن الله هو مالك النعم.
(1) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم: 2135)
(2) قال الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجه ج: 2، ص: 1111، برقم 3349)
(3) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 7، برقم: 3372)
(4) هو خروج صوت من الحلق يدل على الشبع وبالعامية أي (تكرع)
(5) قال الشيخ الألباني: حسن (ج: 4، ص: 649، برقم: 2478)
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 567، برقم: 2333)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 5674)