فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 249

ـ فالغربة في عمل الإنسان أن يكون التعامل مع أمور الدنيا والناس كأنك غريب، أي التعامل مع الناس كأنهم كم مهمل (وهذا لا يعني عدم احترامهم) ، بمعنى التعامل معهم بالجوارح من غير تفاعل المشاعر بهم إلا في الله، وكذلك حال المؤمن في طعامه وشرابه وأمور حياته فيعيش الإنسان مثلما يعيش الإنسان الغريب عن أهله ووطنه فيكون سلوكه وعمله وتصرفاته كأنه غريبا عن أهله وبلده أو كالمسافر أو كعابر السبيل، فيأخذ من الدنيا زاد المسافر.

ـ فلابد أن يكون عمل الإنسان كأنه غريب ففي الحديث عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمنكبي فَقَالَ: (( كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أو عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ في أَهْلِ الْقُبُورِ، فَقَالَ لِى ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا ) ) [1] ، وفي حديث آخر: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [2] .

ـ معني الرضا والاطمئنان بالدنيا:

ـ قد يصنع الإنسان لنفسه تصورا وهميا ويعيش فيه ويندمج فيه ويطمئن به، فقد يتصور أن المتع والآلام إنما هي في الدنيا، ويتصور أنها عظيمة، فيعيش في الدنيا ويطمئن بها (رغم أنها ليست دار معيشة وحياة يطمئن فيها الإنسان لأن دار الإنسان وحياته الحقيقية في الآخرة) ، فلا يحزن إلا لألم دنيوي ولا يفرح إلا للذة أو خير دنيوي، وذهنه لا ينشغل إلا بالتعامل مع مفردات الحياة ومشاغلها، فهذا هو الرضا والاطمئنان بالدنيا: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [3] .

ـ فيحدث اندماج وتعايش وتأقلم ورضا بقوانين العادات والتقاليد وما تعارف عليه الناس، أي أنه يشعر بالاستقرار في الدنيا فهو بذلك جعل الدنيا دار مقر وليست دار ممر وارتحال، فهو بذلك لا يرجو الآخرة ولا يخافها ولا يحمل هم لقاء الله، أما المؤمن فيشعر بأنه غريب عن هذه الحياة لأنها ليست وطنه فهو غير مطمئن بها ولا يألف المعيشة فيها لأنه يعيش بين غرباء ينتظر الرحيل إلى وطنه وأهله.

ـ أنظر إلى الحالة النفسية والحالة المزاجية والعاطفية لشخص مغترب يريد العودة إلى أهله وزوجته وأولاده ووطنه، أنظر إلى شعوره بالحنين والشوق للعودة ومدي انشغال باله وتفكيره في يوم العودة، إن هذه الحالة النفسية هي التي تسمي شعور بالغربة، فإذا لم يكن عندك هذه الحالة النفسية فإن الآخرة والذهاب إليها لا وجود لها في مشاعرك، إن الشخص الذي في غربة ليست قضيته أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شيء يؤدي الغرض، فهل في شعورك أن الطعام الذي تأكله هو طعام مؤقت وأن السكن الذي تسكن فيه هو سكن مؤقت أم أنك تشعر أنه سكن دائم؟، وهل تشعر بأنك مسافر بلا رجعة أي بعدم الرجوع إلى الدنيا؟، هل لديك شعور بأن هذا السفر هو سفر نهائي وأنه سفر بلا عوده، وقد سبقك إليه الكثيرون والدور في انتظارك، والرحيل مفاجئ وفوري وبلا رجعة؟، وهل تشعر بالترقب والانتظار ليوم العودة إلى وطنك وأهلك هناك في الآخرة؟، وهل تشعر أنك تعيش الآن في بلد الغربة (الدنيا) ؟، إذن فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي، ولكننا في غفلة، وليس للإنسان أن يجرب أو يتغافل فنحن ضيوف على وجه هذه الكوكبة الأرضية، إذن يتضح الآن أن عالم الغيب في نظرك ليس إلا اقتناع نظري وليس له وجود في مشاعرك، إن الذي لا يشعر بأنه مقبل على عالم آخر فإنه يعيش كأنه لن يموت، فالموت عنده مجرد اقتناع نظري، وعندما يأتيه الموت يشعر أنه هو النهاية، ولا يريد أن يموت، ويكره مَنْ يقبض روحه، إنها ليست موعظة ورقائق ولكنها حقائق ومشاعر حقيقية في النفس، لذلك أنظر هل عندك فعلا شعور بالغربة والحنين؟، أم أنك تدعي

(1) حديث صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 567، برقم 2333)

(2) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3283)

(3) يونس: 7، 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت