ـ لو قيل لك أنه قد تحدد لك موعد سفرك من أرض الدنيا إلى أرض المحشر بعد شهر من الآن، وأن جواز سفرك قد تم التأشير عليه بالهجرة بلا عودة من الدنيا، إن هذا الأمر عندئذ سوف يشغل تفكيرك ليلا ونهارا، سوف ستظل تفكر في لقاء الله وتتهيب الأمر حيث تقف أمامه لتجيب عليه وهو يسألك عن أعمالك، وسوف تتعامل مع أهلك والناس تعامل المودع لهم الراحل عنهم، إنه تفكير دائم وشعور بالتهيب من الأمر (خوف المهابة من فراق من اعتدت على رؤيتهم في الدنيا وخوف المهابة من الوصول إلى لقاء الله نفسه) .
ـ إنه بالفعل قد تحدد لك موعد سفرك وهو قريب جدا ولكن لم يتم إعلامك به، فلماذا لا يتوجه تفكيرك إلى هذا الأمر ولماذا لا تتهيب الأمر طوال وقتك؟، ذلك لأنك تبعد تفكيرك عن هذا الأمر وتتناساه وتتجاهله وتتغافل عنه كأنك لن تسافر وترحل ولن تقابل الله نفسه سبحانه، فأصبح يقينك بالموت والآخرة والسفر للقاء الله هو مجرد يقين نظري فقط وليس يقينا حقيقيا، فأصبح ذلك السفر وأصبحت الآخرة لا قيمة لها في نظرك.
ـ كل إنسان يترقب اليوم الذي يحقق فيه هدفه أو اليوم الذي يحدث فيه أمر خطير فيظل همه منشغلا بهذا اليوم، فالطالب يترقب يوم الامتحان والسجين يترقب يوم الإفراج، والعاقل الذي يشعر بخطورة الآخرة فإنه يعيش حياته مترقبا يوم لقاء الله والآخرة ومترقبا يوم موته حيث يلقى الآخرة فيظل ذهنه منشغلا بالتطلع إلى يوم اللقاء المهيب حيث تكون الدنيا لا قيمة لها، والشعور بالترقب مثل شعور الإنسان الذي يقف ينتظر أحدا على موعد.
ـ فالشعور بالترقب معناه الاستعداد النفسي بانشغال الهم بالأمر فلا يكون مفاجئا عندما يأتي، وعدم وجود الشعور بالترقب معناه أنه يتناسى ذلك الأمر ولا يشغل باله به رغم يقينه النظري به فيكون الأمر مفاجئا له عندما يأتيه.
ـ المؤمن يعيش حياته يعد نفسه للآخرة على أمل أن يلقى الآخرة فيجد الثواب، فعندما يذهب إلى الآخرة لا يكون الأمر مفاجئا له وإنما هو أمر كان يتوقعه وينتظره طوال عمره، فهو يعيش حياته رجاء الآخرة، أي من أجل الآخرة، فهو يعيش حياته وعنده رجاء وأمل وتوقع وانتظار اللحظة التي يصل فيها إلى الآخرة، فهمه مشغول باليوم الذي يلقى فيه الله تعالى والآخرة، فذلك هدفه.
ـ وفي تفسير السعدي: (( يقول تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بدلا عن الآخرة، {وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها، فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون، {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة عن المدلول المقصود، {أُولَئِكَ} الذين هذا وصفهم {مَاوَاهُمُ النَّارُ} أي: مقرهم ومسكنهم التي لا يرحلون عنها ) ) [1] .
ـ والشعور بترقب لقاء الله والآخرة ورد في القرآن بمعنى الرجاء للقاء الله والآخرة، ففي التفسير المنير: (( {مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ} أي يأمل ويطمع في لقائه وثوابه وجزائه في الجنة ) ) [2] ، وفي تفسير أبي السعود: (( {وارجوا اليوم الاخر} أي توقَّعوه وما سيقعُ فيه من فُنون الأهوالِ ) ) [3] .
ـ وعدم الشعور بترقب لقاء الله والآخرة يعبر عنه بعدم الرجاء: (( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [4] ، (( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) ) [5] .
(1) تفسير السعدي ـ مؤسسة الرسالة (1/ 358)
(2) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (20/ 186)
(3) تفسير أبي السعود [إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم] دار إحياء التراث العربي - بيروت (7/ 39)
(4) الفرقان: 40
(5) الفرقان: 21