ـ المؤمن يعيش الحياة الدنيوية وكل نظره على الآخرة وكل شيء يقيسه على أساس قيمته في الآخرة، فهو يرى المتمتع بهذه الحياة ويعيش في شهواتها على أنه غير متمتع بل أنه يورد نفسه موارد الهلاك لأن هذه المتع تنقلب عليه عذابا فضلا عن أنها في حقيقتها متع ضئيلة زائلة مؤقتة، وهو يرى المعصية التي فيها لذة هي في الحقيقة فيها عذاب لأنها تجره إلى ألم شديد في الآخرة.
ـ المؤمن يحدث دائما في ذهنه تصور عن الآخرة، فهو مشغول بالآخرة باستمرار، فالمؤمن يعيش الآخرة وهو في هذه الحياة المؤقتة، أما الذين يعبدون هذه الحياة المؤقتة ويعبدون أهواءهم فيحدث دائما في ذهنهم تصور عن هموم هذه الحياة المؤقتة ومشاغلها وما يتعلق بالمال أو الشهوات أو المظاهر، فهو مشغول بهذه الحياة المؤقتة باستمرار.
2 ـ الشعور بالقيمة
ـ هناك فرق بين نظرة الإنسان إلى الدنيا على أنها مجرد معبرة وقنطرة إلى الآخرة وبين نظرته على أنها مغنم يريد أن يتحصل عليه، وكذلك هناك فرق بين النظر إلى مشاكل الدنيا على أنها أمور مؤقتة لأنها تزول بزوال الدنيا وبين النظر على أنها هي القضية والشغل الشاغل، فالمشكلة الحقيقية في نظر الإنسان العاقل ليست مشاكل الدنيا وإنما هي كيف يصل الإنسان للجنة؟.
ـ هل على الإنسان أن يعيش طوال عمره يعد نفسه للرحيل، أي يعيش منتظرا يوم موته؟!، إن هذه الحياة التي نعيشها ما خلقت إلا لهذا الغرض، فالدنيا ما هي إلا طريق للآخرة، فهل يمكن لإنسان عاقل أن يبني سكنه في الطريق أو الشارع الذي يسير فيه الناس ويعيش ويقيم في طريق المارة، فلا تصلح المعيشة في الطريق، إنما هو مجرد سفر أي معيشة مؤقتة عابرة لضرورة الترحال ولإعداد الحقائب.
ـ لو قيل أن بعض الناس يستعدون للسفر إلى كوكب آخر عبر الفضاء لكان ذلك العجب والدهشة، فهل تتصور أننا مسافرون لما هو أعجب من ذلك وأبعد من ذلك إلى الدار الآخرة؟!، فهل أنت في انتظار حياة غير الحياة التي تعيشها الآن وطعاما غير الطعام الذي تأكله؟!، وسكنا غير السكن الذي تسكن فيه؟!، وهل تشعر أن البيت الذي تسكن فيه ليس هو بيتك، إنما بيتك هناك، وأن هناك مَنْ ينتظرك الآن من الحور العين (إن شاء الله تعالى) ؟!، هل في شعورك أن الطعام الذي تأكله هو طعام مؤقت، وأن السكن الذي تسكن فيه هو سكن مؤقت، أم أنك تشعر أنه سكن دائم؟!، إن الذي يري أن طعامه إنما هو في الآخرة فإنه لا يهتم كثيرا بطعام الدنيا فهو كيفما اتفق، وإنما هو يأخذ زاد المسافر، وكذلك سكن الدنيا ومتطلباتها، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل ) ) [1] ، فهل تشعر بالترقب والانتظار ليوم العودة إلى وطنك وأهلك؟!، وهل تشعر أنك تعيش الآن في بلد الغربة (الدنيا) ؟!، وهل عندك شعور بأنك مفارق الناس وكل ما تملك؟، وهل تشعر بالترقب والانتظار لمجيء اليوم الذي تصل فيه إلى بيتك بعد سفر طويل؟!، إن الذي يشعر فعلا بعالم الغيب فإنه يشعر بالموت علي أنه مجرد مرحلة ينتقل به إلى حياة أخري فلا يكره الموت ولا يكن مرعوبا منه، وعندما يأتيه الموت فإنما يأتيه مَنْ كان ينتظره علي موعد وأنه ليس النهاية وإنما هو البداية للحياة الحقيقية، أما الذي لا يشعر بعالم الغيب فإنه يعيش كأنه لن يموت، فالموت عنده مجرد اقتناع نظري، وعندما يأتيه الموت يشعر أنه هو النهاية، ولا يريد أن يموت، ويكره مَنْ يقبض روحه، لأنه يرى الدنيا دار سعادة ويرى في الموت النهاية وليس بداية الحياة الحقيقية (في الآخرة) وهذا يمثل الحقيقة الموجودة في مشاعره، وإن كان في اقتناعه النظري عكس ذلك تماما فهو على يقين تام بأن الدنيا فانية ضئيلة وأن الموت مجرد انتقال إلى الحياة الباقية لكنه يقين نظري فقط.
(1) صيد الخاطر ـ دار القلم - دمشق (1/ 447)