والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر، وقد يحدث للإنسان مصيبة فيقول الحمد لله ولكن قلبه ساخط غير راضي وإن قال: أنا راضي، وهو على اقتناع نظري تام بالقضاء والقدر، وعلى اقتناع نظري تام بأنه راضي!!، وتجده يقول (الحمد لله) لكنه من باب الروتين والتعود في الكلام، وفي الحقيقة قلبه ساخط، ونحن قد ندعي الصبر، فما ورد في القرآن هو الصبر الجميل وهو حبس القلب عن التسخط وحبس اللسان عن الشكوى، وهو أن تتجرع المر وأنت مبتسم في منتهي الأريحية والانبساط، فيتقبل الإنسان المصيبة برضا، وهو سكون القلب تحت مدار الأحكام واطمئنان للعاقبة وانتظار للفرج واحتساب للأجر.
ـ الشعور بأن الله هو المالك يؤدي إلى الشعور والرضا بالقضاء والقدر:
ـ إن الذي يشعر بأن الله هو المالك لكل النعم فإنه يصبر علي سلب النعمة لأنها ليست ملكا له وليست حقا له ويرضى بذلك، شرح ابن كثير معنى (إنا لله) في الآية: (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه رَاجِعُونَ ) ) [1] أي: (( {الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ} أَيْ تَسَلَّوْا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مِلْكٌ لِلَّهِ يَتَصَرَّفُ فِي عَبِيدِهِ بِمَا يَشَاءُ ) ) [2] ، فمالك الشيء يفعل به ما يشاء، فلا ضير أن يفعل الله بما يملك ما يشاء، فلو قطعك إربا إربا فإنك ترضي لأنك نفسك ملكا له خاضعا له، ومالك الشيء له الحق في أن يفعل بما يملك ما يشاء، بل إن الله لو عذب جميع الخلق لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنه مالكهم له الحق أن يفعل بما يملك ما يشاء: (( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) ) [3] ، (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [4] ، وفي الحديث: (( لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ) ) [5] ، إن الذي يشعر بأن حياته وكل شيء ملك لله وإنما هي نعم وعارية يستردها مالكها فعند الموت يكون راضيا لأن الله يأخذ ما يملكه ويكون شاكرا لله لأنه أعطاه هذه النعم طوال هذه المدة تنعم بها بغير استحقاق فتخرج الروح سهلة، لكن الإنسان الذي يشعر أنه هو الذي جلب النعمة لنفسه من عقله وكده وتعبه، فعند الموت لا يريد أن يترك النعم فتخرج روحه بصعوبة لتعلقها بهذه النعم، ويكره مَنْ يقبض روحه، فعندما يأتيه الموت يكره هذا القدر.
ـ الحالة النفسية للشعور بالرضا:
ـ عندما يشعر الإنسان أن كل شيء بقدر الله ومشيئته، وأن الخالق من حقه أن يفعل بمخلوقه ما يشاء، فإنه يرضى بما يفعله الله ويسلم نفسه لله يفعل بها ما يشاء، فيعيش في حالة من الارتياح والسعادة النفسية، فهو لا يقلق بشأن ما حدث أو ما سيحدث فكله بقدر الله، فيعمل وهو هادئ مطمئن قد أسلم أمره لله وتوكل عليه سبحانه.
ـ لقد جعل الله فلان غني وفلان فقير، وفلان يتعب في عمله ورزقه قليل، وفلان لا يعمل أو عمله قليل ورزقه كبير، وفلان أجاب الله دعاءه رغم معاصيه وفلان لم يستجب له رغم تقواه، وفلان يريد أمرا ما ليستعين به على الطاعة لكن الله لا يعطيه إياه، وفلان يبتلى ويزيده الله ابتلاءا رغم دعاءه وعبادته، وفلان يؤذي الناس في دنياهم ودينهم ويظلمهم ويزيده الله في الترقي في المناصب والمزيد من الدنيا فيتمكن من ظلمهم أكثر، وفلان حرمه الله من البنين، وفلان أعطاه الكثير، وفلان ترك عملا لأنه كان يكسب منه مالا حراما ثم سعى للبحث عن عمل فلم يجد.
ـ طالما أن الإنسان مع الله ويطيعه فلابد أن يكون الله معه، ولكن قد يظن الإنسان أن ذلك معناه أنه لابد أن ينقذه الله من الشدائد ويعطيه من الدنيا ويستجيب له.
(1) البقرة: 156
(2) تفسير ابن كثير ـ دار الكتب العلمية - بيروت (1/ 338)
(3) الفتح: 14
(4) الأنبياء: 23
(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج: 1، ص: 29، برقم 77)