ـ لا إله بغير خضوع:
ـ وجود الخضوع معناه وجود إله ووجود عبد ووجود دين، وبغير الشعور بالخضوع فلا معنى لأن يقول الإنسان أنه عبد وأن له إله، فإذا رفعنا الخضوع من كلمة"عبد"أصبحت كلمة مفرغة من المعنى، فالعبد هو الخاضع، والذي لا يشعر بأنه خاضع هو لا يريد أن يكون عبدا، وهو لا يستطيع أن يخرج من سيطرة الله ولكنه يتصنع الهروب من سيطرة الله تعالى.
ـ الذي لا يشعر بالخضوع مستكبر يريد أن يخرج من سيطرة الخالق، ففي تفسير السمعاني: (( {أم هم المسيطرون} أَي: الأرباب المسلطون ) ) [1] ، وفي أيسر التفاسير للجزائري: (( {أم هم المسيطرون} أي المتسلطون الغالبون فيتصرفون كيف شاءوا ) ) [2] .
ـ أي ملك من ملوك الدنيا يريد من الناس أن يعظموه ويخضعوا له ويطيعوه، فهو بذلك يكون ملكا عليهم، فإذا لم يعظموه ويخضعوا له ويهابونه ويخافونه ويطيعوه هم بذلك لم يجعلونه ملكا عليهم، فكل الناس يعلمون ما الذي يريده الله منهم وهو أن يعظموه ويخضعوا له ويهابونه ويخافونه ويطيعوه.
ـ ومن الناس من يعظم الله ويخضع له ويهابه ويخافه ويطيعه فهو بذلك يجعله ملكا عليه، ومن الناس من يرفض الخضوع لأن فيه ألم وذل ويرفض أن يطيعه لأن ذلك يقيده ويخالف هواه رغم علمه ويقينه النظري التام بأن الله هو الملك عليه وأنه يجب عليه أن يخضع له ويخافه ويطيعه ولكنه يستكبر.
ـ وكل الناس يعلمون أنه لا يمكن أن يترك الله من يخضع له ومن لا يخضع سواءا، فلابد أن يعاقب الذي لم يخضع ويثيب من خضع، وحيث أن الناس تموت ولا ترى عقابا أو ثوابا لأحد فلابد من بعث الناس مرة أخرى من أجل ثوابهم وعقابهم.
ـ كل الناس خاضعين لله ويعلمون ذلك ولكن بعضهم يتناسى خضوعه لله فيهرب من الخضوع ولا يشعر به.
ـ كما أن الخالق لابد أن يكون الأقوى والمخلوق الأضعف لأن الذي خلق صفات القوة في الإنسان لابد أن يكون هو الأقوى: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [3] .
ـ قال شيخ الإسلام ابن القيم: (( العبودية نوعان عامة وخاصة: فالعبودية العامة عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك قال تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا} فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم ... وأما النوع الثاني فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر قال تعالى: {يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} ) ) [4] .
ـ النوع الثاني ينشأ من الاعتراف بالنوع الأول والشعور به، فمن شعر بعبودية القهر تحقق عنده العبودية الخاصة، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ كل الناس عباد لله وخاضعين لله، ولا يستطيعوا الخروج عن سلطان الله لأنهم جميعا واقعين تحت سيطرته وسلطانه وقوته وهم ضعفاء أمام قدرته وهيمنته عليهم وهم لا حول لهم ولا قوة، وهذه هي عبودية القهر والملك.
(1) تفسير السمعاني دار الوطن، الرياض (5/ 279)
(2) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (5/ 182)
(3) فصلت: من الآية 15
(4) مدارج السالكين ـ دار الكتاب العربي - بيروت (1/ 126)